الصفحة 180 من 334

التشريعية والقضائية والتنفيذية في المجتمع لتحكم ظاهر حياة البشر. فتلك الآلية لا تحكم نوايا الخاضعين لها، بل تحكم انحرافهم عن منظومة سببية الخليقة، وتحريكها باتجاه يعزز التوازن الكونى للطبيعة، أو يضر به. ومعنى هذا، أن الإسلام وضع القانون لحكم ظاهر ما وراء الضمير، وأقام القضاء والدولة لحكم ما وراء دور دور العبادة ورجال الدين كنماذج للرشد ومعلمين وقدوة.

2 -الحاجة إلى نسيج اجتماعى ملموس حقيقى الوجود: يترتب على اعتبار الإسلام أن قوام الأمر الأخلاقى الدينى هو: تحويل معطيات الزمان والمكان، وأن الأمانة التى حملها الإنسان ذات طابع أخلاقى، استحالة وجود الإسلام دون الجنس البشرى وهذا العالم الدنيوى. ومن الواضح أيضا أن عملية تحويل المكان هذه، مستحيلة الحدوث، ما لم تكن العلاقة بين الزمان والمكان، وبين الجنس البشرى المستخدم لهما قابلة لإحداث التحويل. وتحويل الأرض سيكون عملا عقيما، ما لم يكن للإنسان حق الانتفاع بها. فهو في مثل تلك الحالة لا يمكن تحقيقه أكثر من مرة واحدة. ولن تكون عملية التحويل هذه دائمة لا تتوقف، كما يدعو الإسلام إليه بالقطع، ما لم يستهلك البشر ثمرات هذا التحويل. ومعنى ذلك، هو ضرورة وجود جنس بشرى، يكدح ويعانى ويستمتع، ولا يستطيع العيش ولا البقاء دون نظام اجتماعى.

فتحقيق الشق الأخلاقى من الإرادة الإلهية ممكن فحسب في سياق علاقات إنسانية متبادلة كتلك التى تقوم بين أعضاء نظام اجتماعى. ومادة أية قيمة أخلاقية هى عند التدقيق: نسيج العلاقات الإنسانية والمعاملات بين البشر. فلا محل للقول بممارسة الإنصاف والأمانة، في غيبة عمليات بيع وشراء ومبادلات للسلع والخدمات، على سبيل المثال. ولن يكون هناك مجال للصدقة، في حالة انتفاء الندرة وعدم انقسام البشر إلى أناس متخمين بالثروة، وآخرين معوزين، وفى حالة عدم وجود فئة تعانى وتحتاج إلى العون. فالمجتمع كما نعرفه الآن شرط ضرورى للأخلاقية. ولا يقل المجتمع ولا يزيد عن كونه سياقا يتعامل فيه أفراد أحرار معا، يؤثرون على نحو متبادل على بعضهم البعض، وعلى بقية الموجودات. والمجتمع، بالأحرى، شرط للفلاح الدينى.

وفى المقابل، لا يمكن لأى مجتمع أن يوجد أو أن يبقى في المدى الطويل دون أخلاق، إذ لن يكون هناك مفر في مثل تلك الحالة من تحقق ما أنذر به توماس هوبز من"حرب الجميع ضد الجميع". و حتى العصابة تحتاج إلى تأسيس نظام أخلاقى ما لأفرادها، فيما لو أرادت البقاءعصابة بين العصابات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت