الله تعالى:"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ". [1]
ثالثا: مضامين نظرية: يتطلب تحقيق الإرادة الإلهية أو تجسيد القيم في أرض الواقع، وجود الأمة، أى قيام بنية بشرية مترابطة، تعمل وفق الإرادة الإلهية. وتنبع الحاجة إلى الأمة من الاعتبارات التالية المنبثقة جميعها من طبيعة الخبرة الدينية في الإسلام:
1 -الطابع العام للحياة الإسلامية: ترتبط أخلاقية النية بمدى التزام صاحبها بها في لحظة عدم إفصاحه عنها بعد، وارتباطها بالتالى بحالة وعيه. ولا حكم على تلك النية في تلك المرحلة إلا ضمير صاحبها وربه العليم بها. مرد ذلك أنه ما دام أمر تلك النية كله شخصى وذاتى، فإنه ليس بوسع أى إنسان غير صاحبها أن يعرف نقاء قلبه، وصدق باعثه، وما يعتمل في داخله. وهذا هو السبب في ضرورة ارتكاز إى نظام اجتماعى مؤسس على أخلاقية النية، على نظام شرف، الحكم في ظله على الدوام هو: ضمير الشخص. ولا يمكن لأى شخص آخر أن يفكر في القيام بدور في عملية انعقاد النية هذه، غير دور الناصح لصاحبها.
وحتى حينما يتلقى الفاعل الأخلاقى حكم ضميره عليه بأنه مذنب، وتتوجب عليه كفارة أو تعويضا، يظل ضميره هو الحكم الوحيد بخصوص ما إذا كان قد وفى بما حكم به عليه أم لا. وتتعلق عملية التغيير المرادة، أيا كان مستواها، بالضمير، فهى تتم به وفيه وعبره. ومن الواضح أن المقرر الوحيد للإثم والصلاح هو الضمير. ولا يهم في هذا الصدد الوجود الفعلى للجار أو للبشر الآخرين، بل تكفى فكرة وجودهم، لأن مجرد استحضارها من جانب صاحب النية (حتى بمستوى التخيل) كاف لتحقيق أخلاقية إرادته أو فعله أو نيته.
بيد أن الأمر على خلاف ما سلف فيما يتعلق بأخلاقية العمل. ففى ساحة العمل يتم تقليب معطيات الزمان والمكان، وإنجاز آثار قابلة للقياس، يمكن في ضوئها الحكم على الفعل باستحقاق الثناء أو الذم. والقانون هنا ليس جائزا فحسب، بل هو ضرورى، بما يستتبعه من متطلبات تشمل: مؤسسات البحث والتشريع والدعوة، ونظام قضائى متعدد الدرجات، وآلية تنفيذية. وهذه الأجهزة والآليات من مقومات المجتمع - الأمة - ومتضمنة في وظائفها. ولاتستغنى هذه الأجهزة وتلك الآليات بحال عن الضمير، بل يظل دوره فيها قائما تماما كدوره في أخلاقيات النية. كل ما في الأمر أنه يتعين أن تضاف إليه الآلية
(1) آل عمران:104.