الصفحة 178 من 334

بالعقل، كما أنها كامنة في الطبيعة على نحو يمكن استنباطه والتدبر فيه بملكات الحدس والعقل البشرية. وعلاوة على ذلك، فإن تلك الإرادة الإلهية تحددت بشكل جلى في نص القرآن الكريم بلسانه العربى المبين، وقدم النبى بسنته نموذجا لتجسيدها في أرض الواقع، بأقواله وأفعاله. وعلى يد النبى والصحابة والفقهاء ترجمت مضامين تلك الإرادة كما تجلت في القرآن والحديث النبوى، إلى خطوط إرشادية موجهة لمجريات حياة الإنسان اليومية. وفى حين تعتبر الشريعة ثابتة ومقدسة في صيغتها المعيارية، فإنها قابلة في صيغتها الإرشادية للتكيف مع متطلبات العدالة والإنصاف الموقفية، بما يحقق الصالح المادى التجريبى والروحى لكل من الفرد والأمة.

ومعنى ذلك، أن الأمة لا يحكمها الحكام ولا المحكومين، فكلاهما خاضع لحكم الشريعة. والحاكم مجرد منفذ للشريعة. والمحكومون سواء كانوا في موقع الوكيل الفاعل، أو الصابر على فعل آخرين، هم أدوات لتنفيذها في لحظة زمنية ومكانية محددة. وليست الأمة جمعية تشريعية، فهى لا تصنع القانون. والقانون ليس تعبيرا عن الإرادة الشعبية العامة. فالقانون إلهى المصدر، وهو بهذه الصفة يعلو ولا يعلى عليه. وحينما يقول المسلم"إن الحكم إلا لله"أو أن"الله هو رب العالمين ومالك ما في السموات والأرض ولا معقب على أمره"بوصف ذلك هو لباب تجربته الدينية، فإنه يعلن التزامه بطاعة المشيئة الإلهية، ويقر بالحاكمية المطلقة لله تعالى على كل المخلوقات. والشريعة بذلك هى الممسكة بزمام السلطة السياسية في الأمة، وليس الحاكم الذى هو مجرد منفذ لأحكامها. والأمة بذلك حكومة نواميس شرعية، وهى بمثابة جمهورية، الحكم فيها للشريعة.

ومن الواضح أن الأمة ليست حكومة رجال دين، بالنظر إلى أنه ليس بوسع أحد أن يدعى قداسة ويحكم باسم الله. وهى ليست حكومة ديموقراطية، ولا حكومة أقلية ثرية، ولا حكومة فردية مطلقة. فلا مجموعة من الشعب، ولا الشعب برمته يملك أى حق في الحكم بصفته تلك. ذلك أن أيا منهم ليس مصدرا للقانون، حتى يمكن القول بأن غاية الحكم السياسى هى إرضاء ذاك الفرد، أو تلك الجماعة، أو مجموع الشعب. فمصدر شرعية وجود الأمة وأفعالها، هو تنفيذها للأوامر الإلهية. وبمجرد أن يعطل تطبيق أحكام الشريعة على كل شؤون الأمة، تفقد الأمة ميزتها الإسلامية، وتغدو قابلة للثورة على وضعيتها المنتكسة. بل إن الثورة تصير في تلك الحالة واجبة على المواطنين المسلمين، تلبية لأمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت