يوجد مجتمع يستطيع أن يدعى استبعاد القيم على الإطلاق في تقرير شؤونه، أو أنه يقرر شؤونه بقيم ليست نابعة بالمرة من تراثه الدينى.
ثانيا: التوحيد والمجتمعية: مقتضى الإقرار بأنه لا إله إلا الله، هو الإيمان به سبحانه وتعالى خالقا ومالكا وحكما للوجود كله بلا شريك. ويترتب على هذه الشهادة الإقرار بأن الإنسان خلق لغاية، بما أن خلق الله تعالى منزه عن العبث، وأن تلك الغاية هى تحقيق الإرادة الإلهية المتعلقة بهذا العالم الذى تتخذ منه الحياة البشرية مسرحا لفعلها الحر المسؤول. ويقتضى ذلك من المسلم النظر إلى الحياة بزمانها ومكانها بعين الجد، لا رتباط فلاحه أو خسرانه بتمثله للسنن الإلهية المتصلة بالزمان والمكان الذى يحيا فيه. وأمره الله تعالى أن يقوم بتلك المهمة بالتعاون مع إخوانه من البشر. وتخضع حياة المسلم لرقابة توجيهية مستمرة في ظل التوحيد. فالله تعالى لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء. وكل ما يفعله الإنسان يسجل له إن كان خيرا أوعليه إن كان شرا. وإرادة الله وثيقة الصلة بذلك، والإنسان مأمور بمراعاة السنن الإلهية. بل إن غاية حياة الإنسان على الأرض هى تجسيد تلك السنن الإلهية في كل أرجاء المعمورة.
يقول الله تعالى:"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {104} وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ". [1] وهذا الأمر الإلهى هو الميثاق المنشئ لهذه الأمة والذى تستمد منه دستورها، بوصفها رابطة بشرية غايتها هى تحقيق الإرادة الإلهية في أرض الواقع. وهذه الأمة مؤسسة كونية، بما أنها هى أداة تحويل الشق الأعلى من تلك الإرادة - البعد الأخلاقى منها - إلى تاريخ. ولما كان الفعل الأخلاقى يستلزم حرية الفاعل المؤتمن، فإن الأمة التى هى بمثابة رابطة لفاعلين مؤتمنين أخلاقيين، لابد أن تكون مفتوحة وحرة، ومرشد حياتها الوحيد هو الإرادة الإلهية، التى هى مبرر وجودها ذاته. ولنقرأ هنا من القرآن الكريم، قول الله تعالى:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" [2] .
وتلك الإرادة الإلهية مبينة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة المطهرة. وهذه الإرادة مبثوثة في الطبيعة، على نحو فعلى أو تجريبى بسنن ثابتة قابلة لاكتشافها وتفعيلها
(1) آل عمران 104 - 105.
(2) آل عمران:110.