علاقة بالشأن العام. وحجتها في ذلك كما تجسدت في التاريخ العلماني في الغرب، أن الدين يصب في مصلحة قطاع واحد في المجتمع هو الكنيسة، على حساب ماعداها. ولما كانت البنية الداخلية للكنيسة، وكذا عملية صنع القرارات فيها، سلطوية، ولما لم يكن المجتمع كله ممثلا فيها، فإن تقرير الشؤون العامة بواسطة الكنيسة، يرقى إلى مرتبة الطغيان، ويمثل شكلا من أشكال الإستغلال والاضطهاد للشعب من جانب إحدى جماعاته.
وهذه الحجة صحيحة بالقطع بالنسبة للغرب، حيث شكلت الكنيسة الكاثوليكية مجرد شريحة من السكان، وكرست المسيحية الكاثوليكية نفسها كمرجعية سلطوية، وطورت لنفسها مصالح مكتسبة على حساب بقية الشعب. ولما كانت الكنيسة الكاثوليكية قد ظلت على مدى قرون متطاولة مهيمنة على مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية في أوربا، فإنه كان من الطبيعى أن تتخذ أية حركة تحرر اجتماعى وسياسى واقتصادى شكل حركة نضالية مناوئة لتلك الكنيسة. [1]
وفى عصر لاحق، أسست العلمانية قضيتها على الدعوة إلى عدم تقرير الشأن العام بقيم نابعة من الدين، بدعوى أن الدين مصدر غير جدير بالثقة. [2] وزعمت العلمانية أن هذا المصدر غير عقلانى وخرافى وقائم على الجزم بمقولات لا دليل عليها. ومن الممكن أن يتفهم المرء مثل هذه التهم، حالة توجيهها إلى المسيحية، أو إلى الأديان التى أسست مبادئها على عقائد لا دليل على صحتها، أو إلى أديان تمر بمرحلة وهن معينة. إلا أن تلك التهم لا تتعلق في كثير أو قريب بالأديان ذات العقائد المنسجمة مع الفطرة، أى التى تسلم بالصحة العامة للمعايير العقلية، ولا بالأديان التى تشهد صحوة إحياء تسعى من خلالها إلى التخلص من حالة الركود والوهن، بالطرح العقلانى النقدى لمقولاتها على نحو يجسد قيما إنسانية حقيقية.
وقامت العلمانية، في معظم الأحيان، على مرتكزات سطحية، حيث زعمت أنها تتطابق مع عصر العلم والواقعية والتقدم، بينما اتهمت الدين بترويج القيم المضادة لتلك القيم، وهى مزاعم أبعد ما تكون عن الحقيقة. ودعوى العلمانية هذه منافقة في أغلب أحوالها. فلا
(1) لمزيد من التفصيلات حول القائمة الطويلة للنظريات وللمنظرين الذين حللوا الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية للإصلاح في الغرب، راجع مادة: إصلاح، ونظريات الإصلاح، بالمجلد التاسع ص 417 - 418، من موسوعة: The New Schaff -Hertozog Encyclopedia of Religions Nnowledge .