الصفحة 175 من 334

علاقة الدولة بالكنيسة في العصور الوسطى. فلم يعد هناك مسيحى يوافق على منح الكنيسة نصيبا في الحياة السياسية، عدا دور الناقد الخارجى. [1]

وليس لدى المسيحية الآن نظرية للمجتمع. [2] فإدانتها للزمان والمكان، وللعملية السياسية، وتحفظها بشأن كل الأنشطة الدنيوية، واعتبارها النظام الاجتماعى نفسه أمرا ثانويا عديم الجدوى في عملية الخلاص، يحول بينها وبين أن تكون لها نظرية بهذا الصدد، اللهم إلا اعتبار النظام الاجتماعى شرا بالضرورة، والمفاصلة بينه وبين نظام النعمة الإلهية. وحتى الكنيسة فيما يتعلق بوجودها الدنيوى (وليس بوجودها الأبدى كممثلة لجسد للمسيح الذى هو ليس من هذا العالم ولا فيه) هى مجرد ملطف مؤقت، حيث تسير مجريات الحياة اليومية بالعمل الخيرى وبالإيمان، ولكن دون النظر إلى العمل المبرمج ولا للقانون على أنهما جديران بالإهتمام، ومع النظر إلى التاريخ نفسه على أنه لا علاقى وعديم الجدوى.

وعلينا أن نسلم بأن مفكرين مسيحيين من أوربا وأمريكا الشمالية، نقبوا بوتيرة متزايدة، منذ الثورة الصناعية، باسم المسيحية، عن خطط أسمى للعدالة الاجتماعية، وصاغوا خططا من هذا القبيل. إلا أن كل ما أنجزوه في هذا المضمار لم يخلص المسيحية من نزعتها المعادية للحياة الدنيا. ورغم أهمية عملهم هذا، وكونه مفيدا للغاية في تخفيف معاناة الفقراء، أو في ضخ إحساس بالعدالة والأخلاقية في النظام السياسى، فإنه لا قيمة له من المنظور الفكرى المعرفى. [3] فلم يجرؤ أحد منهم بعد على الإقدام على ما يمثل بحق إصلاحا للمقدمات المنطقية التى يتأسس عليها الإيمان المسيحى، ألا وهى: طبيعة الله تعالى، والغاية من الوجود، وطبيعة الإنسان ومصيره. وما لم يتم هذا الإصلاح فإن الفكر المسيحى سيظل متناقضا مع نفسه، مهما كانت الإنجازات التى يحرزها في صياغة مشروعات للعدالة الاجتماعية.

4 -المغايرة للعلمانية الحديثة: يمثل النظام الاجتماعى في الإسلام نقيضا تاما للعلمانية الحديثة، بكل جلاء. فالعلمانية الحديثة تسعى إلى نفى أى دور للدين في تقرير كل ما له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت