ولا تسمح تلك الملل لأتباعها بالتفاعل مع الحياة الدنيا بالمرة، إلا في اتجاه سلبى، أى بهدف: تحقيق التحرر الكامل من قيودها، أومن قانون تأبيدها الذاتى، سواء بالنسبة للفاعل الفرد في الهندوسية، أو بالنسبة للفاعلين وغيرهم من القائمين بنشاط رسالى ما، في منظور البوذية. والبعد الشخصى في كلتا الحالتين، ليس مجرد بعد أولى فحسب، بل هو مقوم بذاته للأخلاق ولعملية الخلاص بكاملها.
ومن جهة أخرى، فإن الفعل الاجتماعى للإنسان، سواء في المجال الاقتصادى أو السياسى، يعتبر في نظر أصحاب تلك الرؤية الهندوسية، شرا في جوهره، لأنه يعنى بطبيعته، إطالة أمد هذا العالم، أى الحياة البيولوجية والمادية والاقتصادية والسياسية، أو تحقيق تكاثرها. [1]
وإذا كان الهندوسى قد طور نظاما اجتماعيا - دولة أو امبراطورية أو حضارة أو مجتمعا إنسانيا له طابعه الخاص - قائما حتى الآن، فإنه قد فعل ذلك بالمخالفة لمقتضيات رؤية الاستنارة الهندوسية. وإذا كان للنظام الاجتماعى للهندوس أى أساس لإجازته، في منظور التقاليد الدينية الهندسية، فإنه يتمثل في مبدأ الضرورة الملجئة، أى القبول بحل وسط تجاه ما هو حتمى، فيما يمثل تسامحا، لولاه لكان حال البرهمن أفضل.
أما البوذيون، فبوسعهم إثبات وتأييد الجهد السياسى لما يسمونه أشوكا على سبيل المثال، بوصفها محاولة لمساعدة الآخرين على تحقيق الخلاص المرغوب فيه