الْغَفُورُ" [1] . ومعنى هذا أن مهمة الإنسان على الأرض محفوفة بالمكاره. بيد أن حياة الإنسان في ظل الابتلاء، مفخرة له، وزاده في مواجهته هو التزامه بالإرادة الإلهية. فوعى المسلم الدائم بمعية الله تعالى ليست مجرد هاجس أجوف. بل هو يرى نفسه في ضوء هذه المعية، وسيطا كونيا مؤتمن من الله تعالى على الخليقة، ومحركا للتاريخ الكونى."
سابعا: العالمية: تشمل الإرادة الإلهية بحكم كليتها، كل البشر، وكل زمان ومكان. فالكون كله خاضع لها. والجنس البشرى مفعول به لها على صعيد الأمر التكوينى، و فاعل مريد، على صعيد الأمر الإلهى التكليفى الأخلاقى. والأرض بالتالى موضوع لسعى المسلم في مناكبها. وكل بنى آدم مطالبون بالانخراط في تغييرها وفى تغيير أنفسهم. وعالمية الإسلام هذه مطلقة ولا تعرف أى استثناء، إذ أن الله تعالى هو رب العالمين ومالكهم جميعا.
والخيار المطروح إذن هو بين أن يكون الكون مندرجا تحت مظلة النظام الإسلامى العالمى، أو يكون خارجه. وهذا هو السبب فيما انتهت إليه النظرية الإسلامية التقليدية من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب. ذلك أنه لا خيار ثالث بين نظام يقوم على الحرية والمسؤولية والسلام الأخلاقى، ونظام يقوم على مرتكزات مضادة لها. فلا قاسم مشترك بين الإلتزام بالشريعة، وعدم الإلتزام بها.
وتماما كما أن الفرد مكلف بتجاوز نفسه إلى الاهتمام بغيره، فإن المجتمع مطالب بالمثل بتجاوز نفسه إلى الاهتمام بشأن غيره. والإنعزالية بالنسبة للأفراد والمجتمعات، ضرب من اللامبالاة الأخلاقية والعقوق. بل إن الانعزالية في مواجهة البغى والعدوان والجريمة والمجاعة والجهل والنكوص عن تفعيل القيم في أرض الواقع، تمثل كبيرة من الكبائر، واستخفافا بأمر الله تعالى. وتقف النزعة
(1) الملك:2.