ولذا يرشد الإسلام، الإنسان إلى دعوة غيره من البشر وتعليمهم وتحذيرهم، وتحريكهم بما فيه الكفاية لمشاركته في عمله كله، بغية تحقيق ذات الغاية. وفى حين قد يتسنى بإكراه الآخرين تحقيق القيم النفعية في الطبيعة، وقد يمكن تحقيق الغاية الإيثارية الأخلاقية في البشر بإخضاعهم لنظام صارم، فإن ما يتم تحقيقه لن يكون في الحالين أخلاقيا. و المقصود الذى يريد الإسلام تحقيقه هو بكل دقة: أخلاقية العمل. والسبيل الوحيد لتحقبق ذلك هو الاقتراب من الآخرين من مدخل إقناعهم بوجوب الرغبة في مثل ذلك العمل. وما أن يقتنعوا بذلك، فإنهم يقدمون على الانخراط فيه، ويجسدوا القيم في أرض الواقع طواعية وبوعى.
ولما كان تحقيق المشيئة الإلهية مهمة لا نهائية، ووثيقة الصلة بكل البشر وبكل الأنشطة في كل زمان ومكان، فإن المجتمع كما يتصوره الإسلام، يسعى إلى الإقناع والاقتناع، وإلى التنقيب عن القيمة وتجسيدها في أرض الواقع، على الدوام. ومثل هذا المجتمع هو المجتمع القائم على الرشد بمعنى الكلمة، وليس المجتمع التقليدى الضيق القائم على آصرة القرابة. ومثل هذا المجتمع هو الأمة التى يسعى إلإسلام إلى إخراجها للناس. يقول الله تعالى:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [1] ."
ويجمع بين أعضاء تلك الأمة توافق ثلاثى الأبعاد: في العقل أو الرؤية، في النية أو الإرادة، في الإنجاز أو العمل. وقوام تلك الأمة هو الأخوة الإسلامية، وقد انطلقت في حركة سرمدية، مضبوطة بالشريعة. وهذه الأمة بمثابة مدرسة مهمتها هى الإقناع المتواصل للعقل، وساحة لرياضة القلب، تخضع الإرادة فيها لعملية ضبط وتهذيب مستمرة،
(1) آل عمران: 110.