الصفحة 155 من 334

يكون محل اهتمام رهبان غير أمتيين. وتوجد بالفعل نماذج كثيرة في الواقع لذلك. وتجلت حاجة المسيحية لمثل تلك الغيرية الإيثارية، في بداية

عهد مصر بها، بغلبة رؤية رهبانية الشركة عند باخميوس، في مقابل النساكة الشخصية التى مثلها أنطونيوس. [1]

وجاء الإسلام ليضع فكرة الأمة في صميم ما يهم العامل، فارضا عليه أن يشرك الآخرين في العمل كشركاء، أو كمعاونين له. والغاية التى سعى الإسلام إلى تحقيقها من وراء ذلك هى جعل العمل جماعيا، وجذب الذات الإنسانية الفردية أو الجماعية الأخرى، إلى المشاركة في العمل بصفة فاعلين، ومن ثم استحقاق ما يترتب عليه من ثواب أو من عقاب أخلاقى. وإذا كانت النزعة الإيثارية لا تفلح كسبيل للتهذيب الأخلاقى للإنسان الآخر ... ، أو لتحقيقه الكمال الإنسانى، من موقع المفعول به، فإن المجتمع المنظم بشكل صارم، على نحو يعمل معه أعضاؤه كفاعلين، بحكم العادة أوالعرف، أو خوفا من طاغية سياسى، لا يحقق تلك الغاية هو الآخر.

مرد ذلك أنه طالما أن تلك الغاية المراد تحقيقها أخلاقية، ولا يمكن بالتالى تحقيقها إلا بواسطة فاعل يتمتع بالحرية الأخلاقية، فلن يكون للعمل أى نصيب من صفة الأخلاقية، ما لم يكن حرا ومرادا به وجه الله. ولا قيمة أخلاقية لعمل ينجز على نحو لا إرادى، ولا لعمل جماعى يتم تحت أى نوع من الإكراه الخارجى. وحده الفعل الذى يمكن لفاعله القيام به أو القيام بعكسه، ويتوقف على رؤيته وإرادته الحرة، هو الذى له قيمة أخلاقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت