وأوامر الله للبشر بالعمل الصالح تربو على الحصر، ولا تدع مجالا للشك في وجوبه.
وفى المقابل، يؤكد القرآن، بذات الدرجة، على سخط الله تعالى على القعود. ويدين الإسلام العزلة أو الخلوة أو الانقطاع عن العمل، حتى حينما يسعى المرء من ورائها إلى تنمية ما بنفسه من فضائل أخلاقية، كما هو الشأن بالنسبة للرهبانية المسيحية. يقول الله تعالى:" {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَافَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [1] . ويقول سبحانه وتعالى:"لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" [2] "
سادسا: الأمتية: تبين لنا فيما سلف أن تحويل النية إلى عمل يتطلب من المرء تجاوزمصلحة نفسه إلى مصلحة غيره. ويعنى العمل الإسلامى حينما يكون ذلك الآخر هو الطبيعة، تحويل هذا العالم إلى جنة. ويغدو تحصيل كل ما يتطلبه العلم والتكنولوجيا لتحقيق هذا التحول فريضة دينية على كل مسلم. وحينما يكون الآخر إنسانا أو أناسا آخرين، فإن العمل الإسلامى يعنى تحويل الجنس البشرى إلى أبطال وقديسين وعباقرة، تتحقق الإرادة الإلهية، فيهم، أى في حياتهم ونشاطهم.
بيد أن هذا الإنشغال بصالح بقية البشر ليس هو المراد بالأمتية. فالغيرية الأخلاقية، أو الإنشغال بصالح الآخرين، يمكن أن
(1) الحديد:27.
(2) النساء: 95.