واعترف الإسلام بالوحى المنزل على عيسى، وأكد بحماس على ما احتواه من بصائر أخلاقية. وفى اتجاه إثراء تلك البصيرة، أمر الإسلام أتباعه بأن يقولوا قبل الشروع في أى عمل أخلاقى أودينى مهم:"نويت فعل كذا لله تعالى"سواء تعلق ذلك العمل بأداء شعيرة دينية، أو بإماطة الأذى من الطريق العام. وأعلن الإسلام أنه لاقيمة أخلاقية لأى عمل إلا إذا كان مستهلا بتلك النية ومرادا به وجه الله تعالى. وهكذا أضفى الإسلام طابعا مؤسسيا على النية الصالحة، وكاد يلزم بالإفصاح عنها، في هذا السياق، من أجل كفالة حضورها في العامل الأخلاقى. وتبنت اليهودية هذا التقليد في العصور الوسطى متأثرة بالإسلام.
ومع كل ما سلف، فإن الإسلام لم يقف عند حد عقد النية، بل ربط الأخلاقية بالقيام بالعمل بالفعل. فبعد أن بين أن لا قوام لأخلاقية أى فعل ما لم يكن مبنيا على نية صالحة، أرشد الإنسان على طول الطريق من النية إلى الفعل، من عالم الوعى الشخصى بالزمان والمكان، إلى حومة السوق ومعترك صنع التاريخ. فالقيم أو الإرادة الإلهية لا تقف عند حد امتلاك الإنسان النية الصالحة تجاهها، بل يتعين على الإنسان تجسيدها في أرض الواقع.
والإنسان هو المخلوق الوحيد الذى خلقه الله لتفعيل تلك القيم وتلك الإرادة بحرية، ولوجه الله تعالى. ويتعين عليه بالتالى أن يحرك الموجودات، ويعيد تشكيل الطبيعة، ليجسد فيها وبها البعد الأخلاقى، وفق المثال الربانى الذى عرفه بالوحى الإلهى المنزل. وهو مكلف بإخراج مكنات الموجودات من حيز الكمون إلى حيز البروز والتحقق. وبقدر نجاحه في هذه المهمة تقاس درجة فلاحه وسعادته الأخلاقية.
وبينما تعد النية الصالحة بمثابة تذكرة لولوج ساحة الكدح والسعى الأخلاقيين، فإن تفعيل تلك النية وتجسيدها الفعال للمطلق في التاريخ، هو تذكرة دخول الجنة، بما يحمله قرب مستقر الإنسان فيها من ربه. ولا يمثل ذلك عودة إلى أخلاقيات العواقب النفعية أو الذرائعية. فالنية الصالحة شرط مسبق. أما العاقبة فهى زيادة يسعى إليها الإسلام، وليست بديلا على النية، ولا مخصومة منها.
ولقد بينت أخلاقية عيسى عليه السلام، بحق، إن الضمير الشخصى للإنسان هو الحكم الأخير على وضعيته الأخلاقية، في حياته على هذه الأرض. ذلك أن الضمير وحده هو الذى يعرف محددات النية وحقيقتها. وحكمه وحده هو القادر على وضع النية في حجمها الصحيح. وفى المقابل، فإن العمل بطبعه علنى وإيثارى، ويتعدى فاعله. وهو ظاهر للعيان وقابل للقياس بوسائل خارجية، سواء تعلق بالنفس أو بالغير أو بالطبيعة. وهو يحتاج بالتبعية إلى تنظيمه بالشريعة، وإدارته بمؤسسات عامة، أو بالدولة، أو بما يسمى: الخلافة، وإلى الفصل في منازعاته بواسطة سلطة قضائية عامة.
ومع أخذ كل ما سلف بيانه بعين الاعتبار، أعلن الإسلام ضرورة الربط بين الإيمان والعمل. والدليل على ذلك هو ربط القرآن في مواضع كثيرة بين الإيمان والعمل الصالح. من ذلك على سبيل المثال، قول الله تعالى:"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا {173} ، وقوله سبحانه:"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا {30} وقوله سبحانه:"وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا {88} "وقوله سبحانه:"وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ {37} وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ {38} [1] "
(1) النساء:173، الكهف: 30، 88، سبأ 37 - 38. وربط القرآن بين الإيمان والعمل الصالح زهاء ستين مرة. انظر: محمد فؤاد عبد الباقى، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص 411 - 412. .