ببعث الله تعالى عيسى عليه السلام نبيا إلى اليهود. فبها تعززت أخلاقية النية الشخصية، في مقابل إفراط الفريسيين والصدوقيين، في التعلق بالظواهر الخارجية والحرفية. وكان من الطبيعى مواجهة مثل ذلك التطرف بنقيضه، بغية فضح ما به من مغالاة ضالة. وعلم عيسى البشرية مبدأ أن الطابع الأخلاقى لفعل ما، دالة، ليس لما يترتب عليه من أثر أو عاقبة مقاسة بقيم المنفعة، وإنما بالنية المصاحبة له والدافعة إليه على سبيل الحصر. وبين عيسى عليه السلام بأمثلة عديدة جميلة أن ما قد يبدو شرا في أثره الظاهرى، قد لا يكون شرا في حقيقة أمره، بسبب خيرية الدافع إليه. فما دامت النية خالصة لله، والقلب معلق بحب الله وبطاعته، فإن الفعل يكون صالحا، وصاحبه ناجيا.
ومن هذا المنطلق، كان بوسع أوجستين أن يقول:"أحب الله، وافعل ما تشاء". وكان بوسع ايمانويل كانط أن يقول:"الشئ الخير في جوهره هو النية الخيرة". ومن هنا انصبت رسالة عيسى النبيلة على داخل الإنسان، أى على التحويل الذاتى الجذرى للإنسان. ولم تتضمن تلك الأخلاقية من قريب أو بعيد أى انتقاص من شأن آثار الفعل الأخلاقى، والحياة الدنيا، والزمان والمكان والتاريخ. إلا أن مركز قوتها يكمن في تصميمها القاطع على تنقية النية وتطهيرها بوصفها ينبوع كل فعل. وهى على صواب حين تحدد الخير الأخلاقى بأنه الحالة التى تنبع فيها النية من حب الله، لأن أدنى انتهاك لهذا المبدأ هو انتهاك بحد ذاته لأخلاقية أى عمل أيا كان. وكان هذا هو رد عيسى عليه السلام على نزعة التعلق بالمظاهر الخارجية المستشرية، وعلى التحمس لشريعة فقدت روحها [1] .
(1) راجع في التفصيلات: ... Ismail R.al Farouky , ... Christian Ethics, Chap.VI .