حاضر أو مستقبلى. ومن هنا لا يعرف الإسلام أى"تبرير بالإيمان، ولا أى تاريخ للخلاص. فالماضى العلاقى الوحيد الذى يعترف الإسلام به يقتصر على: الوحى الإلهى المنزل، وما حققه الإنسان في ماضيه من فلاح أوخسران نتيجة طاعته الأوامر التكليفبة الإلهية المتضمنة في هذا الوحى، أو نتيجة عصيانه لها."
ولا تنبثق أخلاقية الإنسان في منظور المسلم، من الإيمان بحدث خلاصى ماض، بل بالإيمان بمعية الله تعالى. ويعنى استحضار وجود الله تعالى، في هذا المنظور، وجود الحق والقيمة، الذين يؤسس الإنسان دعوى ولايته وسعيه عليهما. وتتوقف صدقية تلك الدعوى على تحريك الإنسان لمعطيات الزمان والمكان على نحو إيجابى يجعلها مجسدة للإرادة الإلهية في الكون. والإيمان، وكل الملكات المصاحبة له التى بواسطتها يتم إدراك القيم وعلاقاتها، واختيار المواد وتخصيصها هى مجرد تمهيدات لتحويلها إلى واقع معاش. ويؤكد الإسلام أن الروحانية ذاتها بكل فضائها، تصير في حكم العدم، إذا لم تصبح واقعا ملموسا، متجسدا في رجال ونساء يمشون على الأرض.
ويقرر الإسلام أن الإنسان يقف لدى مولده على عتبة الأخلاقية، لا له ولا عليه من حيث البعد الأخلاقى، ويتمثل واجبه في القيام بعمل إيجابى، بفعل جديد، وليس بالتخلص من عبء ماض ما. فأخلاقية المسلم ذات توجه مستقبلى كامل، حتى حين تكون غاية في المحافظة والركود. ومن هذه الإيجابية الأخلاقية يستمد المسلم حيويته. فمع تحريره من إصر الماضى وأغلاله، يصير المسلم نموذجا للنشاط وللإقبال على الحياة، وعدوا لدودا للزهد في الدنيا وللحط من قدر التاريخ.
خامسا: التفعيل: بلغت الرؤى الاستبطانية الأخلاقية التى دعا إليها آرميا النبى، ورجال الدين الساميين من بعده، إلى نهايتها المنطقية،