وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ". ويقول:"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" [1] ."
وأجمع الفلاسفة المسلمون على التسوية بين العقل من جهة والوحى من جهة أخرى. فالعضو الذى يستمد منه الإنسان الشبه بالإله هو العقل، الذى هو نفخة من روح الله، وهو بالتالى الملكة التى يعرف بها الشبيه شبيهه، أى يستطيع بها الإنسان أن يعرف ربه.
وهذه الصورة الإلهية كائنة في كل البشر على السواء، ويستحيل تدميرها، أو فقدانها، ومنها يتشكل جوهر إنسانية الإنسان، وهى أنبل وأغلى ما يمتلكه. فهى نفخة من روح الله. ويعد الإنسان في حكم العدم، في غيابها. وإذا ضعفت فإن الإنسان يوصف بالخبل أو الجنون.
وتتفق الرؤية الإنسانية الإسلامية في موقفها هذا من العقل مع الرؤية الفلسفية الإغريقية (لدى سقراط وأفلاطون وأرسطو) ، مع وجود فارق بينهما بخصوص سنام العقلانية. فهى عند الإغريق: الثقافة، وعند المسلمين: التقوى. إلا إنه عند التدقيق يتبين أن التقوى الإسلامية تجب الثقافة الإغريقية، لأن الإقرار لله بالربوبية، أى بكونه الخالق والمالك والحكم، هو أسمى درجات العقلانية التى عرفها الإنسان.
إلا أن الإسلام يختلف جذريا، أولا، ً مع الرؤية الإنسانية الإغريقية، التى تعترف بإنسانية المواطنين الأحرار، بينما تصنف العبيد في فئة أخرى أدنى من سابقتها. ويختلف الإسلام ثانيا مع الرؤية الإنسانية اليهودية بذات الدرجة، التى تسلم بوجود الصورة الإلهية في كل البشر بالفطرة، ولكنها تفرق بينهم بالمولد والطبع معطية أتباعها وضعية مختارة.
(1) الإسراء:36، السجدة:9، فصلت: 53.