الصفحة 144 من 334

معطيات ملموسة مقدرة عليه من قبل مولده. إلا أن كل تلك المعطيات عضوية كانت أم نفسية، فطرية وضرورية، لم يحصلها الإنسان باختياره. فالطفل والإنسان البالغ محكومان ببنية جسديهما. وليس بوسع الأول أن يتسلق جبلا، ولا بوسع الثانى أن يحمل فيلا. و من المجافاة للمنطق القول بأن الأول مذنب لعجزه عن تسلق الجبل، أو أن الثانى مذنب لعجزه عن حمل الفيل.

فالقرآن الكريم يعلن أن أحدا لن يحاسب على ما هو فوق استطاعته. يقول الله تعالى:"لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [1] ."

وبذا تتناغم البراءة مع الحتمية التكوينية الفطرية، ولا تمثل تلك الحتمية أى أساس صحيح للتجريم. ذلك أن المسؤولية الأخلاقية تتحدد بقدرة المرء على الاستخدام المنضبط لملكاته الطبيعية بغية تحقيق هدف يسعى إليه عن قصد. أما حينما تنتفى الاستطاعة فلا تكون هناك حرية، وبالتالى تنتفى المسؤولية والإثم.

ويلجأ دعاة الخطيئة الأصلية المحدثون عادة إلى مقولة الغريزة الطبيعية لتبرير نظريتهم. وأشهر حجة يطرحونها هى قولهم: تأمل تمركز الطفل الوليد حول نفسه، ناهيك عن الشخص البالغ. وتتصدر دعوى بول تيلتش المصاغة بلغة منمقة وعبارات رنانة، الحجج التى طرحها المفكرون المعاصرون المدافعون عن مقولة الخطيئة الأصلية، حيث يعرفها بأنها هى: الإثم الشخصى الناجم عن انتقال الإنسان من الجوهر، كفكرة

(1) البقرة:286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت