وادعت تلك الفلسفة أن تلك الأفعال والعواطف من ذات المادة التى صنعت منها الحياة البشرية، وبالتالى فإنها تعتبر طبيعية، شأنها شأن أوجه الكمال والفضيلة. وبما أن كل تلك الخصال بشقيها طبيعية، فقد ساد اعتقاد بوجوب التسوية بينها في القداسة، وفى استحقاق تأمل الإنسان في شكلها الجمالى و توقيرها ومحاكاتها، بوصفها هى مثله الأعلى. [1]
ومن جهة أخرى، ركزت المسيحية في سنواتها التكوينية الأولى، على الرد على هذه الفلسفة الإنسانية الإغريقية الرومانية، ووصلت في تفنيدها إلى نهاية الطرف المضاد بالحط من قدر الإنسان بدعوى"الخطيئة الأصلية"، واعتبرته كائنا هابطا. [2] وكان النزول بمكانة الإنسان إلى درك حالة الخطيئة الأصلية الكونية المطلقة الفطرية الحتمية، التى يستحيل على أى إنسان تخليص نفسه منها بجهده الشخصى، هو الشرط المنطقى المسبق للقول بتجسد الإله، وتألمه، وموته تكفيرا عن خطيئة الإنسان. وبتعبير آخر، استلزم القول باحتياج الخطيئة الإنسانية إلى فعل إلهى، إلى أن تكون بمثابة مأزق مطلق، يستحيل على غير الله تخليص الإنسان منها. وهكذا تم إضفاء طابع مطلق على الخطيئة الإنسانية لتصير مستحقة لموت الإله على الصليب.
ومن بين الشواهد الواردة في العهد الجديد بهذا المعنى، نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية:"9فَمَاذَا إِذًا؟ أَنَحْنُ أَفْضَلُ؟ كَّلاَ الْبَتَّةَ! لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ، 10كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. 11لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. 12الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. 13حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ. 14وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. 15أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. 16فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ. 17وَطَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ. 18لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ» ، ونقرأ:"23إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، 24مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، 25الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. 26لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ. [3] . ونقرأ في الإصحاح الخامس منها:"20وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيَّةُ. وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا. 21حَتَّى كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْمَوْتِ، هكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَةُ بِالْبِرِّ، لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا" [4] .
وصنفت الهندوسية البشر في طوائف اجتماعية منغلقة. ووضعت أغلبية البشر في أدنى الطوائف: طبقة المنبوذين بالنسبة لمن هم من مواليد الهند، أو من طبقة الماليتخا غير الأطهار أو الملوثين من الوجهة الدينية، بالنسبة لمن هم من شعوب العالم الأخرى. ولا مجال أمام الطبقة الدنيا والا الملوثة للإرتقاء إلى مصاف طبقة البرهمن المحظوظة السامية في هذه الحياة الدنيا. فمثل هذا الانتقال ممكن فحسب عبر تناسخ الأرواح بعد الموت. أما في هذه الحياة الدنيا، فلا مفر من أن ينتمى الإنسان للطائفة التى ولد فيها. ولا تأثير على الإطلاق للسعى الأخلاقى على مكانة فاعله، طالما ظل على قيد الحياة في هذا العالم.
(2) انظر: ... 10.&1:4 و. Augustine De ... DIversi Quaestionibus ,Ad Simplicianum, I St
(3) العهد الجديد، رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية: الإصحاح الثالث: 9 - 18،23 - 26.
(4) العهد الجديد، رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية: الإصحاح الخامس: 20 - 21.