الصفحة 135 من 334

وأخيرا، ذهبت البوذية إلى القول بأن حياة البشر وكل الكائنات الأخرى عبارة عن معاناة وبؤس دائمين. بل إن الوجود ذاته شر. وواجب الإنسان الوحيد الذى له معنى هو سعيه إلى التخلص منه عبر الانضباط والجهد العقلى. [1]

وحدها إنسانية التوحيد هى الأصيلة، التى تحترم الإنسان بصفته إنسانا مخلوقا، دون تأليه أو تحقير. وهى الوحيدة التى تحدد قيمة الإنسان بمناقبه، وتبدأ تقييمها له من نقطة إيجابية لتسليمها باستواء الفطرة التى فطر الله كل البشرعليها، لإعدادهم للقيام بمهمتهم النبيلة. وهى الوحيدة التى تحدد فضائل ومثاليات الحياة الإنسانية بمحتوى مماثل للحياة الفطرية، وليس بالتنكر لها، مما يجعل إنسانيتها غير زاهدة في الحياة وأخلاقية في آن واحد.

ويستحيل في نظر الإسلام الفصل بين الأخلاق والدين. فالأخلاق مؤسسة بالكلية على الدين. ولا يعرف العقل المسلم أية ثنائيات متقابلة، مثل: الدينى /العلمانى، المقدس/ الدنيوى المدنس، الكنيسة /الدولة. وتخلو مفردات اللغة العربية التى هى اللغة الأم للدين الإسلامى، من مثل تلك الثنائيات.

وبالتالى، فإن المبدأ الأول للمعرفة الإسلامية هو وحدة الحق، تماما كما أن مبدأ الحياة البشرية يعود إلى نفس واحدة هى آدم عليه السلام، والمبدأ الأول للوجود هو وحدانية الله تعالى. وكل هذه الوحدات الثلاث مترابطة فيما بينها على نحو لا يقبل الانفصام. ومثل هذه الوحدة هى المبدأ الأسمى للوجود. ولم تكن القضية التى نهض لها الإسلام هى إثبات وجود الله. فلقد انطلق الإسلام بحق من اعتبار الإنسان كائنا متدينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت