الصفحة 133 من 334

بتلك المهمة. وإذا قيل أن الإنسان هو أكرم مخلوق، فإن ذلك يرجع بالقطع إلى تفرده بتلك المهمة، بمعنى كونه بفعله وسعيه الأخلاقيين، يمثل جسرا كونيا وحيدا، يتم من خلاله إدخال الشق الأخلاقى من الإرادة الإلهية، الأسمى من شقيها التكوينيين الأولى والنفعى، إلى عالم المكان والزمان، وتصييره تاريخا.

ولا حدود للتكليف الذى وضع على كاهل الإنسان وحده، فيما يتعلق بمجال وبمسرح الفعل الداخلين في حدود استطاعته ووسعه، في الكون كله. فالفعل الأخلاقى خاص بالجنس البشرى كله. ومسرحه ومادته، هو كل ما في السموات والأرض. والإنسان مسؤول عن كل ما يحدث في الكون، حتى في أبعد أرجائه. والتكليف الذى تحمله الإنسان عام وكونى، ولا ينتهى إلا يوم القيامة.

والتكليف هو أساس إنسانية الإنسان، وهو لب معناها ومحتواها. وقبول الإنسان تحمل هذا العبء، يضعه في مكانة أسمى من بقية المخلوقات، بما فيهم الملائكة، لكونه المخلوق الوحيد المؤهل لذلك. ومن هذا التكليف تتشكل الأهمية الكونية للإنسان. وشتان بين إنسانية الإسلام هذه، وبين غيرها من الرؤى الإنسانية. وعلى سبيل المثال، أنجبت الحضارة الإغريقية فلسفة إنسانية قوية، تبناها الغرب واعتبرها نموذجا يحتذى من عصر النهضة.

بيد أن تأسيس تلك الفلسفة الإنسانية الإغريقية على نزعة طبيعية مبالغ فيها، أفضى بها إلى تأليه الإنسان، بل لتأليه رزائله. وهذا هو السر في أن الإغريقى لم يجد غضاضة في تصوير آلهته ككائنات يخدع كل منها الآخر ويتآمر ضده، ولا تتورع عن الزنا والسرقة وسفاح أولى القربى، والعدوان، والغيرة، والانتقام، وما شاكل ذلك من الأفعال الوحشية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت