الصفحة 124 من 334

الصنوبر العملاقة والحيتان والفيلة، وبالجملة كل مخلوق بأصل نشأته، ونموه، وحياته ومماته، يحقق غاية خلقه الله ليحققها، ضرورية لبقية المخلوقات.

و تجمع علاقة الاعتماد المتبادل بين كافة المخلوقات. والانسجام الكامل بين كل مقومات الوجود هو أساس انتظامه. ولنقرأ في هذا المقام قول الله تعالى:" {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ، وقوله سبحانه:" {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} ، وقوله سبحانه:"لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا" [1] .

وهذا هو مقتضى التوازن البيئى الذى بات الإنسان المعاصر على وعى به، نتيجة الخطر الداهم الناجم عن التلوث الذى أصاب البيئة في هذا العصر. أما المسلم فكان على وعى بهذا المفهوم منذ قرون عديدة، وكان ينظر إلى نفسه على أنه في صميم هذا التوازن، بوصفه جزءا منه شأنه شأن أى مخلوق آخر.

وتؤشر حقيقة أن كل عنصر في الخليقة يغذى عنصرا آخر، ويتغذى هو على عنصر ثالث، على وجود سلسلة من الغايات المترابطة بالتأكيد، ربما تصل غاية وضوحها بين الكائنات العليا. فمن الصعب بدرجة أكبر ملاحظة تلك العلاقة وإثباتها وتصورها بكل أبعادها، فيما يتعلق بالكائنات الدقيقة في عوالم الطحالب والميكروبات والأنزيمات التى لا ترى بالعين المجردة. إلا أن تلك السلسلة المترابطة من الغايات موجودة في تلك العوالم بذات الدرجة، في حقيقة الأمر.

وثمة مستوى ثالث أصعب في اكتشافه من سابقيه، يتعلق بكون أنظمة التغذية في الحياة النباتية والحيوانية عبارة عن سلاسل اعتماد متبادل

(1) انظر هذه الشواهد القرآنية على التوالى: القمر:49، الحجر:21،مريم:94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت