الصفحة 122 من 334

وفى معرض نقضه لدعواهم، قال الغزالى بحق، أن بوسع المرء أن يستنتج مع العلماء من معطيات الطبيعة القابلة للملاحظة، أن س تبعت ص، أو أن ص تبعت س مرات كثيرة في تجارب أو عمليات ملاحظة سابقة. إلا أن القول بأن س تبعت ص يختلف بشدة عن القول بأن س هى التى أحدثت ص أو تسببت فيها، أو أن س ستتبع ص على الدوام لكونها أثرا ضروريا لها. ومع ذلك، فإن مثل تلك الرابطة السببية، وإمكانية التنبؤ الضرورى أو القابلية للتنبؤ بها، هو بالضبط ما يتطلبه العلم، وما يفترض العالم وجوده بين"الأسباب"، والنتائج"المفترض ترتبها عليها".

وفضح علماء فلسفة العلم في القرن العشرين، هذا الحكم المسبق من جانب العلماء. وتأسيسا على ذلك بات العلماء أكثر تواضعا، وعاد الكثيرون منهم إلى الدين وإلى الله، بعد أن عصفت نسبية أنشتاين، ومبدأ انتفاء الحتمية الذى توصل إليه هايسنبرج، بإيمانهم بنظام الطبيعة.

ويعود الفضل إلى الفلسفة في المقام الأول في إسُارة الشك في تلك القفزة الإستقرائية. ووصف الشكوكى جورج سانتيانا ثقة العلماء في النظام الكونى، بأنه جزء من"الإيمان الحيوانى". ويعود احتقاره الواضح لتلك الثقة، إلى حقيقة افتقارها إلى أى أساس في الواقع التجريبى، بالمرة.

وهكذا، كرر سانتيانا ذات الإنتقاد الذى وجهه الغزالى من قبله للفلاسفة والعلماء في القرن الخامس الهجرى / الحادى عشر الميلادى، مع اختلاف طفيف. واقتبس سانتيانا تعبير"الإيمان الحيوانى"من مثال ضربه بافلوف، وملته الآذان من كثرة الاستشهاد به، فحواه أن كلبا اعتاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت