حراسة أساس وجودها ذاته، بالتخلص من العلماء. ومع ذلك، فإن العلماء كسبوا معركتهم بالتدريج. وانهزمت الكنيسة.
وجوهر ما نجح العلماء فيه هو تحصيل الشق من العلمنة الخاص بإزالة هيمنة الكنيسة على العلم الطبيعى. وكان إنجازهم في هذا الصدد مشروعا وبالغ الأهمية. بيد أن ما كان العلم الطبيعى بحاجة إليه ليؤدى دوره ويتطور، لا يقتصر على تحرير الطبيعة من الأرواح والأشباح ومجسدات القوى الخفية، والأرواح الإلهية الأسطورية، وكافة العناصر السحرية المزعومة.
فالعلم يحتاج فيما وراء علمنة الطبيعة بهذا المعنى، إلى افتراض أن الطبيعة تعمل وفق سنن نمطية، وتمثل نظاما محكما. وهذا مطلب أساسى بشكل مطلق بالنسبة للعلم. فالعلم مستحيل بدونه، أى فيما لو افترضنا طبيعة ذات سلوك تحكمى غريب الأطوار يعتمد على الصدفة. ويقوم صرح العلم على افتراض أنه في كل مرة يتوفر فيها سبب ما، فإن الأثر المترتب عليه يتحقق. ومفاد ما اكتشفه العلماء على أنه قانون طبيعى صحيح، هو أنه على افتراض توفر ذات الأسباب، تحدث مرة أخرى ذات النتائج بالقطع.
والسؤال: ما هو مصدر حجية هذا الافتراض؟. زعم بعض العلماء الغربيين، خاصة من عاش منهم في القرن التاسع عشر، أن النسيج النمطى للطبيعة، يمكن استقراؤه من الطبيعة ذاتها، بالملاحظة التجريبية. ومن قبلهم بألف سنة، قال الفلاسفة المسلمون بنفس الرأى. وفند الغزالى رأى الفريقين بحجج فلسفية دقيقة مناظرة. [1]
(1) انظر: أبو حامد الغزالى، تهافت الفلاسفة، ترجمة: صبيح أحمد كمالى، لاهور: المؤتمر الفلسفى الباكستانى، 1958، ص 186 وما بعدها (بالإنجليزية) .