ولم يقصد بمفهومى"علمانية أو"دنيوية"الطبيعة، في تاريخ العلم، أكثر من تخليصها من الكثير من الأسباب الخرافية ومن الأشباح والأرواح التى فسر بها المؤمنون بالخرافة والمتاجرون بالكهانة أحداثا طبيعية بالزور والبهتان. فالعلم لا يحتاج لنفى فعل الله في الطبيعة، بل لتخليصها من أساطير الأرواح والأشباح الفاعلة فيها على نحو مزعوم وتعسفى، ولا يمكن التنبؤ به. وعلى النقيض من ذلك، فإن فعل الله في الكون، ليس تحكميا، بل يخضع لسنن لا تتبدل ولا تتغير. فالله تعالى يقول:"َفهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [1] .
والله تعالى ليس عدوا للطبيعة. بل إن سننه في الكون هى الشرط الضرورى للعلم الطبيعى. ذلك أن العالم إذا لم يقم علمه على افتراض أن نفس الأسباب تفضى إلى نفس النتائج على الدوام، وهذا هو مقتضى ثبات وديمومة السنن الإلهية الكونية، فإن العلم يعجز عن تأدية وظيفته.
فالتوحيد يجمع كل خيوط علاقة السببية ويعود بها جميعا إلى الله تعالى، وليس إلى قوى خفية. وهو بصنيعه هذا يجعل قوة السببية الفاعلة في كل حدث، وفى كل شئ منظمة، تشكل متصل سببية مترابط الحلقات من الوجهة الإمبيريقية. ولما كان متصل السببية هذا ينتهى عند الله تعالى، ويظل أمره بيده، فإن ذلك يتطلب عدم وجود قوة خارجه تتدخل في تصريف قوة السببية أو الفاعلية المودعة فيه. ويفترض ذلك بدوره أن تكون العلاقات بين أجزائه سببية، وتقبل الفحص والإثبات التجريبى.
(1) فاطر:43.