الصفحة 105 من 334

ومن جهة أخرى، قد يتعارض الوحى مع العقل، أى مع نتائج التمحيص العقلى والإدراك المعرفى العقلانى. وفى مثل هذه الحالة، يعلن الإسلام أن التعارض ليس نهائيا، ويوجه الفاحص إلى واحد من ثلاثة خيارات: مراجعة فهمه للوحى، أو مراجعة النتائج العقلية التى توصل إليها، أو القيام بهاتين العمليتين معا. فالتوحيد بوصفه مبدأ لوحدة الحق، ينفى اعتبار التعارض نهائيا، ويطالبنا بالتفكر مرة أخرى في المقولات التى تبدو متعارضة، منطلقا من التسليم بحتمية وجود بعد لم يضعه الفاحص في اعتباره، وإذا وضعه في اعتباره سيزول التعارض المتصور.

وبالمثل، يدعو من يتصور وجود تناقض، إلى إعادة قراءة الوحى، وليس لمراجعة الوحى نفسه، مرة أخرى، تحسبا لإمكانية أن يكون قد فاته في قراءته السالفة، إدراك معنى خفى أو غير ظاهر، لو كان قد تنبه إليه لزال ما توهمه من تعارض ظاهرى. ومثل هذه الإحالة إلى العقل أو الفهم لا تتعلق من قريب أو بعيد بتحقيق انسجام الوحى ذاته، بل بتحقيق انسجام تفسيرنا أو فهمنا البشرى له. فالوحى أسمى من أن يعبث به الإنسان. كل ما في الأمر أن تلك المراجعة تجعل فهمنا للوحى متمشيا مع الدليل المتراكم الذى كشف عنه العقل. ومن جهة أخرى، فإن التسليم بأن التعارض أو التناقض الظاهرى نهائى، أمر لا يستسيغه إلا ضعاف العقول. وعلامة عقلانية المسلم أنه يصر على وحدة مصدرى الحقيقة: الوحى والعقل.

أما المبدأ الثالث للتوحيد من حيث وحدة الحق، فهو الإنفتاح على الدليل الجديد، أو على دليل المخالفة، أو عليهما معا، فهو يحمى المسلم من الليبرالية والتعصب والنزعة المحافظة المفضية إلى الركود. ويتجه هذا المبدأ بالمسلم صوب التواضع الفكرى. ويفرض عليه أن يذيل تأكيداته ونفيه بعبارة: الله أعلم، لأنه على قناعة بأن الحقيقة أكبر من أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت