أما المبدأ الثانى الخاص بنفى التناقض المطلق، فيحمى المرء من التناقض البسيط من جهة، ومن التناقض الظاهرى من جهة أخرى. [1] وهذا المبدأ هو جوهر العقلانية. ولا مهرب، بدونه، من الوقوع في النزعة الشكوكية. ذلك أن مقولة التناقض النهائى، تعنى وجود نقيضين يستحيل معرفة حقيقة أى منهما. ومن المقطوع به أن التناقض يحدث في تفكير البشر وفى خطابهم. والسؤال المطروح بالتالى هو: هل يمكن تجنب التناقض؟ وهل يمكن تلمس مخرج منه حالة حدوثه؟. الموقف الإسلامى من هذه المسألة هو الجزم بوجود مخرج من التناقض، بمبدأ آخر أو حقيقة أخرى تنضوى تحتها تلك المتناقضات على نحو يزيل ما بينها من تناقض، ويؤلف بين فروقها.
ويصدق هذا المنطق ذاته بخصوص ما قد يبدو من تناقض بين العقل والوحى. فالإسلام لا ينفى وجود إمكانية منطقية لحدوث مثل هذا التناقض فحسب، بل يزود البشرية في المبدأ الثانى الذى نحن بصدد بيانه، بدليل إرشادى لمخرج منه حالة حدوثه في الفهم الإنسانى. ولا محل هنا لطغيان العقل ولا الوحى على الآخر في إزالة التناقض المتصور. ذلك أنه لو جعلت الأولوية للوحى، فلن يكون لدينا مبدأ نفرق به بين وحى ووحى آخر، أو بين دعوتى وحى واحد. وستستعصى التناقضات البسيطة، والتباينات، أو أوجه التعارض الظاهرية بين النص الحرفى لأى بيانين أو موقفين يدعى أنهما موحى بهما، على الحل في مثل هذه الحالة. ولن نجد وحيا يرغب في حرمان نفسه من وسيلة يحقق بها انسجامه مع نفسه، وتحقيق التناغم في كامل بنيته.
(1) لمزيد من التفصيلات في تحليل هذه النقطة، أنظر: د. اسماعيل راجى الفاروقى، الحضارة الإسلامية، الفصل الثانى، الحاشية الأولى.