كانت عائشة رضي الله عنها زعيمة الآخذين بناصر المرأة، والمنافحين عنها بلا منازع. وإليها كانت تتطلع أبصار المستضعفات لما تمّ لها من المكانة الكبيرة في العلم والأدب والدين. وإليها يرجع الفضل الأكبر - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في إعظام الناس المرأة الإعظام اللائق، حتى ظهر كثير من اللائي طمحن إلى اقتفاء أثرها في الشجاعة الأدبية والجرأة.
فإذا أحبت النساء أن يسألن من علم .. أو يبحثن عن مسألة .. توجهن إلى عائشة .. وإذا أحست المرأة بظلم زوجها .. جاءت عائشة تستفتيها وتطلب نصرتها ..
في الحديث عن عبد الواحد بن أيمن قال: حدثني أبي قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها وعليها درع قِطْر ثمنه خمسة دراهم فقالت: (ارفع بصرك إلى جاريتي فإنها تُزهى أن تلبسه في البيت، وقد كان لي منه درع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كانت امرأة تُقَيَّنُ بالمدينة إلا أرسلت إليّ تستعيره) .
شاركت السيدة عائشة رضي الله عنها في أحداث عصرها السياسية.
كان لها رأيها الواضح المؤيد أو المعارض. ففي عهد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما اقتصر دورها على الناحية العلمية والاجتماعية ..
وفي عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، سارت السيدة عائشة في الشطر الأول من خلافته سيرتها على زمن صاحبيه .. أما في الشطر الثاني .. فقد قرّب عثمان أقاربه فولاّهم الأمصار وفضّلهم على غيرهم من كبار رجال المسلمين .. وبسببهم أقصى الكثير من صحابة الرسول .. ويقال أنه أساء إلى رجال كانت لهم يد وسابقة .. وأغضبت هذه التصرفات الكثير من الناس .. وحاولت عائشة كما حاول الآخرون أن يسدوا النصح إلى عثمان، مبينين له فساد ما يتبع من سياسة. فكان يستمع إليهم، ثم لا يلبث أن يغلبه مستشاروه من ذوي رحمه فيعود إلى ما كان ينهج من تصرف.
كان من ذلك أن ازداد غضب الكثيرين عليه. في هذه المرحلة مارست السيدة عائشة حقها في النصح والتسديد وأصبحت زعيمة للمعارضة بلا منازع.
فعندما غضب الخليفة عثمان على عمّار بن ياسر رضي الله عنهما ويقال بأنه ضربه وشتمه .. نددت السيدة عائشة بفعله هذا وقالت على الملأ: ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد. وحينما عزل عثمان عبد الله بن مسعود عن بيت مال الكوفة .. ونال منه وشتمه .. غضبت عائشة وقالت: أي عثمان، أتقول هذا لصاحب رسول الله .. ؟
وولىّ عثمان على الكوفة أخاه من أمه الوليد بن عقبة، فبرم به أهلها وكرهوه، وأتى وفد منهم إلى عثمان يشكونه ..