ولا برهان، لَيَعْجَبُ؛ كيف تحوَّلت أخلاقُها وتبدَّلت طباعُها في وقت وجيز، فصارت أمَّةً ذات علم وحضارة وأخلاق سامية، وجهاد في سبيل الله لهداية الخلق جميعًا إلى الهدى والنُّور؛ لقد كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ممتثلًا لقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ؛ قال عبدُ الله بنُ الزُّبير- كما في صحيح البخاريّ [1] : أمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذَ العفوَ من أخلاق النَّاس؛ أي يتجاوز عن أخطائهم وما لا ينبغي من أقوالهم وأفعالهم.
والوقائع الدَّالَّةُ على ذلك كثيرةٌ جدًّا؛ منها قصَّةُ الأعرابيّ الذي جذب برداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أثرت حاشية الرِّداء في صفحة عاتقه - صلى الله عليه وسلم - طالبًا منه أن يعطيَه من مال الله؛ فكان ردُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نظر إليه بكلِّ هدوء، ثم تبسَّم في وجهه وأمر له بعطاء [2] .
ومنها قصَّةُ الشَّابِّ الذي جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ائذن لي بالزِّنا. فأقبل القومُ عليه فَزَجروه وقالوا: مه، مه. فقال: «ادنه» . فدنا منه قريبًا؛ قال: فجلس، قال: «أَفَتُحبُّه لأمك؟» قال: لا والله- جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبُّونه لأمَّهاتهم» ، قال: «أفتحبُّه لأختك؟» قال: لا والله- جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبُّونه لأخواتهم» . قال: «أفتحبُّه لعمَّتك؟» قال: لا والله- جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم» . قال:
(1) حديث رقم 4643.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه حديث رقم 3149 رقم 3149، ومسلم رقم 128.