وقد راسل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ملوكَ الأرض في زمانه ودعاهم إلى الدُّخول في الإسلام؛ تنفيذًا لعالميَّة الدَّعوة الإسلاميَّة؛ كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، وقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] ؛ فالرِّسالةُ المحمديَّةُ رسالةٌ عالميَّةٌ لكلِّ الأجناس البشريَّة؛ فكما أنَّ الأرضَ كلَّها نطاقٌ مكانيٌّ لحركة الجهاد والدَّعوة على أيدي أتباعه - صلى الله عليه وسلم - فكذلك البشر كلُّهم على مختلَف أجناسهم وأزمانهم مدعوُّون للدُّخول في الدِّين الحقِّ الذي هو الإٍسلام؛ وهو رحمةٌ لهم ومنقذ لهم من الضَّلالات والخرافات والأهواء والظُّلم والجَوْر؛ لتُشرق عليهم أنوارُ الحقِّ والعدل والطُّمَانينة، وتتحقَّقَ لهم الإنسانيَّةُ الصَّادقةُ والفطرة السَّليمةُ التي فَطَرَ اللهُ الخلقَ عليها؛ قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .
السِّيرةُ النَّبويَّةُ إذا نظر إليها من حيث الزَّمن (من الولادة حتى الوفاة) فإنَّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من الولادة حتى البعثة؛ وتمثِّل أربعين سنة، ويدرس في هذا القسم حالُ العرب والجزيرة قبل بعثة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والأطوار التي مرَّت بها مكَّةُ المكرَّمة وبناء البيت العتيق؛ فإنَّها بيئةُ السِّيرة النَّبويَّة وتمهيد لها- والأحداثُ المتعلِّقة بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة؛