الصفحة 31 من 65

قال الحافظُ ابنُ كثير: «ومعنى هذا أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مهما أمره به القرآن امتثله ومهما نهاه عنه تركه؛ هذا مع ما جَبَلَه اللهُ عليه من الأخلاق الجبلِّيَّة الأصليَّة العظيمة التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون على أجمل منها، وشرع له الدِّينُ العظيم الذي لم يشرِّعه لأحد قبله؛ فكان فيه من الحياء والكرم والشَّجاعة والحلم والصَّفح والرَّحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يُحَدُّ ولا يمكن وَصْفُه» [1] .

وقد وَصَفَه ربُّه- سبحانه وتعالى- بوصف هو فوقَ كلِّ وصف، ومدحه بمدحة هي فوقَ كلِّ مدحة أحد، فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ؛ قال العوفيُّ عن ابن عبَّاس- رضي الله عنهما: أي: وإنَّكَ لعلى دين عظيم؛ وهو الإسلام. وهكذا قال مجاهد والسّدّيّ والضَّحَّاك, وقال عطية: لعلى أدب عظيم [2] ، وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .

أمَّا الخصائصُ النَّبَويَّةُ فإنَّ معرفتَها أمرٌ له فائدة؛ وهي معرفةُ ما أكرم الله به رسولَه واختصَّه به من الفضائل والأحكام، وقد نقل الحافظُ ابنُ كثير عن بعض علماء الشَّافعيَّة أنَّهم قالوا: لا فائدةَ من دراسة الخصائص. ثمَّ نَقَلَ عن الإمام النَّوويِّ أنَّه ردَّ ذلك وقال: الصَّوابُ جوازُ البحث فيها، بل استحبابه، ولو قيل بوجوبه لم يكن ذلك بعيدًا، وقال: ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتًا في

(1) البداية والنهاية 8/ 456.

(2) المصدر نفسه 8/ 455.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت