فأخذ معْوَلَه وضَرَبَها؛ محاولًا تفتيتها طبقًا للسُّنن الجارية في الحياة، وكلُّه أمل في نصر الله لهم؛ فأكرمه اللهُ إكرامًا عظيمًا وأراه آيةً جليلةً؛ وهي البشرى بفتح بلاد فارس والرُّوم للمسلمين وسقوط الباطل وأهله [1] .
إنَّ قيمةَ الاقتداء وفائدتَه وعطاءَه وعظيمَ ثوابه إنَّما يكون في العزائم والقضايا الكبيرة التي قد يُمتحن صاحبُها في صدق إيمانه وقوَّة يقينه؛ فتفوتُه بعضُ النَّتائج في الدُّنيا ويخسر المعركة؛ لكن الاقتداءَ يحميه ويحول بينه وبين السُّقوط، ويرتفع به من الوقوف عند النَّتائج القريبة إلى إبصار العواقب والمآلات؛ ذلك أنَّ نقطةَ الارتكاز في الاقتداء هي رجاءُ الله واليوم الآخر، واستمرار الذِّكر الذي يجلِّي هذه الحقيقةَ ويؤكِّد حضورَها واستمرارَها [2] .
وتظهرُ أهميَّةُ السِّيرة النَّبويَّة في التَّكامل والشُّمول في فهم النُّصوص الشَّرعيَّة، وضرورة الاقتداء والتَّأَسِّي بالرَّسول - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ جوانب الحياة، والتَّعامُل مع نصوصها الصَّحيحة الثَّابتة بكلِّ تقدير واحترام؛ وقد يَسَّرَ اللهُ لهذه السِّيرة مَن يقوم على حفظها والعناية بأدقِّ تفاصيلها؛ حتَّى كأنَّك تنظر إلى صاحبها وأحواله رأيَ العين، والتاريخ شاهدٌ على أنَّه ليس في الدُّنيا أحدٌ يصحُّ أن تكون سيرتُه من الوضوح والكمال والصِّدق غير سيرة محمد - صلى الله عليه وسلم - وحياته.
(1) أخرجه أحمد في المسند 4/ 303 من حديث البراء بن عازب، وله شاهد في صحيح البخاري من حديث جابر، كتاب المغازي حديث رقم 4101، وقال الحافظ في الفتح 7/ 397: إسناد حديث أحمد حسن
(2) عمر عبيد حسنة، مرجع سابق ص 31.