الحياة الآخرة مصداقًا لقوله تعالى: { ? ?} [1] .
إن التوبة إلى الله تعالى والإنابة إليه سبيل الوصول إلى إدراك الحقائق القرآنية، والوقوف على المعرفة القرآنية في شتى المجالات، وقد بينا أنه آن الأوان لأمة الإسلام أن تهيئ نفسها لاستشراف آفاق هذه المعرفة، وإدراك تلك الحقائق. ونبين هنا أن ذلك كله لا يتم للأمة إلا بأوبتها إلى خالقها أوبة تشمل سائر مجالات حياتها وليس مجال العبادة الظاهرة فقط.
وتأسيسا على ما تقدم بيانه، فإن حقيقة التوبة في القرآن الكريم ثابتة لا تتغير، وهي حقيقة تتصل بشأن التوبة، وأثرها الفاعل في حياة أصحابها، أثرا يعود بالخير العميم العاجل والآجل، عليهم وعلى مجتمعهم، وعلى أمتهم، وعلى الإنسانية، فحين نقرأ في القرآن الكريم قول الله تعالى:
{ ? ? ? ? ? ?} [2] ندرك حقيقة قرآنية ثابتة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي أن التوبة من صفات المؤمنين، فالأمر بها جاء موجها إليهم. وأن الفلاح متحقق بتوبتهم توبة جماعية.
والقرآن الكريم في دعوته للتوبة وبيان أثرها المترتب عليها يخاطب جميع المؤمنين وليس الأفراد وحدهم، فهو يدعو إلى التوبة الجماعية التي تعود من خلالها الأمة - وفي جميع مجالات حياتها - إلى الله جل جلاله دليلًا على أهمية هذه التوبة وشأنها وبيانًا للآثار المباركة المترتبة عليها، وهذا معلمٌ من معالم الهدي القرآني في الدعوة إلى التوبة، حيث يركز القرآن على الدعوة إلى التوبة الجماعية في خطابه، فلم يرد في القرآن الأمر بالتوبة موجهًا إلى الفرد. وعلى ذلك فلابد للأمة من التوبة الجماعية حتى يرفع الله عنها ما تعانيه من الشدة والضيق في حياتها، وتتهيأ بذلك إلى سبل الفلاح والنجاح مصداقًا لقول الله تعالى: { ? ? ? ? ? ? ?} [3] والفلاحُ هنا معنى عام يشمل الفلاح في الظاهر والباطن، ويشمل ما يتصل بحركة المؤمن في حياته العاجلة، وما يتصل بشأنه في حياته الآجلة.
وأول منازل هذا الفلاح معرفة الله تعالى معرفة تؤدي إلى الفوز بمرضاته، وذلك أن هذه المعرفة هي بداية كل خيرٍ، وقوام كل معروفٍ، وأساس كل صلاحٍ وفلاحٍ وعمرانٍ. وسائر المشاكل التي تملأ حياة الأمة الإسلامية اليوم على المستوى الفردي، والجماعي، إنما هي ناشئة عن الجهل بالله تعالى، والمشاكل في حياة الأمة تنشأ عن المعاصي والذنوب. وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وما عصى الله تعالى إلا جاهلٌ به وبحقه سبحانه وتعالى، ولسوف تزداد المشاكل المعقدة في حياة الأمة كلما ازداد جهلها بالله تعالى وازدادت معاصيها وذنوبها بناءً على ذلك.
وبالتالي فإن هذه المشاكل سوف تقل كلما ازدادت الأمة معرفة بربها وخالقها، بل وربما تلاشت كلية بقوة هذه المعرفة ونورها.
إن معرفة الخلق لربهم هي أساس وجودهم بنص قول الله تعالى:
(1) سورة الليل، الآية (13) .
(2) سورة النور، الآية (31) .
(3) سورة النور، الآية (31) .