موضوع يتصل بأمة أخرى في شأن من شئونها، ومع ذلك فإن ما تصل إليه في النهاية لا يصل إلى الحقيقة الثابتة التي لا تتغير، وهب أنها وصلت إلى شيء من ذلك، فهو أمرٌ لا يعدو أن يكون موقوتا لا يستمر وذلك أن عوامل التغيير التي تطرأ على بني الإنسان وعلى زمانه، وأحواله تجعله عرضةً للتغيير، فما ثبت عن أمة اليوم ليس بالضرورة أن يكون ثابتًا إلى ما لا نهاية. وذلك أن بحوث البشر واستبياناتهم واستنتاجاتهم وكافة جهودهم لا يمكنها أن تقف على الحقيقة المطلقة الثابتة، لأنهم وإن علموا ظاهرًا من ذلك، فإن علم ما خفي عليهم هو أعمق وأكثر، وهم قد علموا ذلك الظاهر المتحول الآن، فماذا بعد الآن؟ وماذا عن الغد وعن المستقبل؟ وفي النهاية فهم لم يخلقوا شيئًا حتى يمكنهم معرفة القوانين التي تحكمه، بل هم مخلوقون مثل غيرهم، وشتان مابين الخالق ومخلوقاته فما يصدر عن الخالق جل وعلا كله حقائق ثابتة كاملة خالدة، لأنه سبحانه العليم بأسرار وقوانين خلقه، فإذا أخبر سبحانه عن خلق من خلقه بأن صفته كذا وكذا فذلك هو الحق الثابت الذي لا يتغير، وهو الذي يعبر تمامًا عن حقيقة ذلك المخلوق مهما حاول هذا المخلوق أن يمثل على الآخرين، أو يعمد إلى استعمال إمكانيات تجعله يخفي على الناس حقيقته، فلا عبرة في إدراك هذه الحقيقة ومعرفتها بميزان البشر غير المؤمنين، فهو ميزان يميل حسب المصالح والأهواء؛ فمثلًا نجد القرآن الكريم يكشف للمؤمنين حقيقة من الحقائق المتصلة بالعلاقات بين أفراد عدوهم وذلك قول الله تعالى {? ? } [1] .
إن الحقيقة القرآنية الخالدة في هذا القول الكريم هي أكبر من كل تمويه أو تمثيل يقوم به العدو لإظهار العلاقة بين أفراد مجتمعه بغير ما بيَّنَ الله تعالى في كتابه الكريم، وهي أكبر من كل ما يحسبه الناس بحسب ما يظهره العدو الذي يجيد فن التمويه والتمثيل والخداع إجادة كاملة فالحسبان بأن مجتمعه مجتمع متآلف، راجع إلى غيرهم الذي وقع في شراك التمويه، والخداع والتمثيل، ولذلك كان التعبير الكريم {? } وفرقٌ كبيرٌ بين ما يحسبه الناس، وبين ما هو حق ثابت خالد.
ومجال الحقائق القرآنية مجال رحب واسع قد آن لأمة الإسلام أن ترتاده حتى تقف على قدميها وقفة حق وصدق لا تؤثر فيها رياح التضليل والخداع والتشكيك التي عصفت بها طويلًا، لتكون بهذه الوقفة قادرة بعون الله تعالى على استخراج كنوز المعرفة القرآنية، والوقوف على أسرار هذه المعرفة بإدراك الحقائق القرآنية في شتى مجالات الحياة: سياسة واقتصادا، تربية وتعليمًا، وبناءً وتشريعًا، وتزكيةً، وقوة، وجهادًا، وسبيلًا لحياة عزيزة كريمة يتصل سبيلها بسبيل
(1) سورة الحشر، الآية (14) .