إن المرء ليعجب غاية العجب من رحمة الله تعالى بخلقه من بني الإنسان وإحسانه إليهم وهم يتقلبون في نعمه، وفي ملكوته، وكثير منهم يعصيه ويحاربه بنعمه، ولكن رحمة الله أوسع من معاصيهم فهو جل جلاله أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، يحب الإحسان والجود، والعطاء والبر، والفضل كله بيده، والخير كله منه، والجود كله له، ولو أن أهل السماوات والأرض، وأول الخلق وآخرهم، وإنسهم وجنهم، ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوه فأعطى كل واحدٍ مسألته ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة، وهو سبحانه وتعالى يحب أن يجود على خلقه ويحسن إليهم، ويعطيهم ويَبَرَّ بهم، وينعم ويتفضل عليهم، ومحبته لذلك هي محبة تليق بجلاله وكماله، فهي لا تقع تحت حصرٍ أو وصفٍ، وهو سبحانه يفرح بتوبة عبده إليه كما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده - حين يتوب إليه - من أحدكم كان على راحلةٍ بأرضٍ فلاةٍ فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: