فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 219

ومعرفة أسماء الله تعالى وصفاته كما يقول ابن قيم - رحمه الله: «من أجل المعارف وأشرفها، وكل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل: إما لازم، وإما متعدٍ، ولذلك الفعل تعلق لمفعولٍ هو من لوازمه. وهذا خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها، ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات؛ كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته، وإذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حكمًا ومصالح، وأسماؤه حسنى: ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه، ولهذا ينكر سبحانه على من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نسبه إلى مالا يليق به وإلى ما يتنزه عنه، وأن ذلك حكم سيئ ممن حكم به عليه، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدَره حق قدره، ولا عظّمه حق تعظيمه، كما قال تعالى في حق منكري النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب ? ? ? ? ? ? ? ? [1] .

وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب: ? ? ? ? ? ? ? • ? ? [2] .

وقال في حق من جوَّز عليه التسوية بين المختلفين، كالأبرار والفجار، والمؤمنين والكفار: • ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [3] فأخبر أن هذا حكم سيئ لا يليق به تأباه أسماؤه وصفاته.

وقال سبحانه: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [4] عن هذا الظن والحسبان الذي تأباه أسماؤه وصفاته.

ونظائر هذا في القرآن كثيرة، ينفي فيها عن نفسه خلاف موجب أسمائه وصفاته، إذ ذلك مستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها. فاسمه (الحميد، المجيد) يمنع ترك الإنسان سدى مهملا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب. وكذلك اسمه (الحكيم) يأبى ذلك، وكذلك اسمه (الملك) ، واسمه (الحي) يمنع أن يكون معطلا من الفعل، بل حقيقة (الحياة) الفعل، فكل حي فعال، وكونه سبحانه (خالقا، قيوما) من موجبات حياته ومقتضياتها. واسمه (السميع، البصير) يوجب مسموعا ومرئيا، واسمه (الخالق) يقتضي مخلوقا، وكذلك (الرزاق) ، واسمه (الملك) يقتضي مملكة وتصرفا وتدبيرا، وإعطاء ومنعا، وإحسانا وعدلا، وثوابا وعقابا. واسم (البَرّ، المحسن، المعطي، المنان) ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها.

إذا عرف هذا، فمن أسمائه (الغفار، التواب، العفو) فلا بد لهذه الأسماء من متعلقات، ولا بد من جناية تغفر، وتوبة تقبل، وجرائم يعفى عنها، ... والرب تعالى يحب ذاته، وأوصافه وأسماءه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال، وكان تقدير ما يغفره، ويعفو عن فاعله، ويحلم عنه، ويتوب عليه، ويسامحه من موجب أسمائه وصفاته، وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك» [5] .

إن معرفة أسماء الله تعالى وصفاته - معرفة نربي بها أنفسنا على طريق العبودية والتوبة لله سبحانه، وإسلام الوجه له جل جلاله - لهو أمرٌ في غاية الأهمية والضرورة للمسلم، والحاجة إلى هذه المعرفة هي أمس من الحاجة إلى الطعام والشراب والهواء، فهذه المعرفة من شأنها أن تنير الطريق أمام المسلم، وتنور قلبه وبصيرته، وتضيء حياته كلها بأنوار وأسرار الهداية والإنابة إلى الله تعالى.

فهذه المعرفة هي الشرف الأسنى والمقصد الأعلى، وهي حياة الروح وسعادة القلب وبهجته، وراحته، وسروره، وهي جنته التي يتقلب بين أعطاف نعيمها، وهي واحته الجميلة الهادئة التي يأوي إليها كلما اشتد لهيب الحياة.

(1) سورة الأنعام، الآية (91) .

(2) سورة الزمر، الآية (67) .

(3) سورة الجاثية، الآية (21) .

(4) سورة المؤمنون، الآيتان (115، 116) .

(5) مدارج السالكين: (1/ 417،418،419) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت