وهذه المعرفة من شأنها أن تفجّر طاقات المعرفة الكامنة في النفس، وتفتح أبواب العلم المتصلة بحقائق الوجود، وحركة الحياة، ومظاهرها في شتى الجوانب، كما أن هذه المعرفة تهدي إلى معرفة حقيقة تعلق الوجود خلقًا وأمرًا بالأسماء الحسنى، والصفات العلى، وارتباطه بها، وإن كان العالم بما فيه من بعض آثارها ومقتضياتها.
وسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المثل الكامل لهذه المعرفة فهو - عليه الصلاة والسلام - أعرف الخلق، وأعلمهم بالله جل جلاله. وفي مناجاته - صلى الله عليه وسلم - لربه وهو واقف بين يديه في سحر الليل بقوله «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض» [1] بيان لمدى معرفته (بربه عزّوجلّ.
والله تعالى نور السماوات والأرض، النور الذي منه قوامها، ومنه نظامها، فهو الذي يهبها جوهر وجودها، ويودعها ناموسها، ولقد استطاع البشر أخيرًا أن يدركوا بعلمهم طرفًا من هذه الحقيقة الكبرى عندما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة بعد تحطيم الذرة إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور، ولا مادة لها إلا النور، فذرة المادة مؤلفة من كهارب وإليكترونيات تنطلق عند تحطيمها في هيئة إشعاعٍ قوامه هو النور [2] .
فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون، وكان يدركها كلما شف ورفَّ وانطلق إلى آفاق النور، ولكن قلب سيدنا محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدرك تلك الحقيقة كاملة شاملة في مناجاته تلك لله جل جلاله. فمن أين لرسول الله - عليه الصلاة والسلام - أن يدرك هذه الحقيقة الكبرى، ويعبّر عنها في مناجاته لخالقه ومولاه، ولم يسبق له عليه صلاة الله وسلامه علمٌ أو بعض علمٍ بذلك، ولم تكن البيئة التي ولد وعاش فيها - عليه الصلاة والسلام - لتسمح بشيء من ذلك، فبُعد ما بينها وبين هذا العلم هو بُعد ما بين السماء والأرض أو أبعد من ذلك، وصدق الله العظيم القائل لنبيه - صلى الله عليه وسلم: ? ? ? ? ? ? ? [3] ، وهذا القول الإلهي الكريم حقيقة خالدة من حقائق الوجود، ومن أراد أن يمدد بسبب إلى هذا العلم ونسب فليسر على طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعمل بسنته، وليدخل من باب التوبة الصادقة إلى الله جل جلاله والإنابة إليه، والانكسار لعظمته، والتواضع لجلاله، والتذلل لعزته وكبريائه، والافتقار الكامل لغناه، والحاجة المطلقة لفضله وإحسانه. والله
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 377) رقم (1069) .
(2) انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب، المجلد الرابع، الجزء 18، ص: (2519) .
(3) سورة النساء، الآية (113) .