فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 219

يبقى هنا سؤال من المهم طرحه في هذا المقام وهو: هل يخلو حال المسلم من بعض الصغائر التي ترد على حياته من غير اتصال لها بالأسباب المذكورة والتي تجعلها في مقام الكبيرة؟

والجواب على ذلك يقودنا إلى الحديث عن أقسام العباد وأنواعهم في التوبة، وهم على أربع طبقات كما بين ذلك الغزالي - رحمه الله - في"الإحياء":

فالطبقة الأولى: هم أهل الاستقامة على التوبة إلى آخر العمر، فيتداركون ما فرط، ولا تحدثهم أنفسهم بالعودة إلى ما مضى، ولا يرتكبون إلا الزلات التي لا ينفك عنها البشر عادة، وهؤلاء هم أهل التوبة النصوح.

والطبقة الثانية: هم الذين سلكوا الاستقامة في أمهات الطاعات وتركوا الكبائر كلها، ولكنهم لا ينفكون عن ذنوب تعتريهم لا عن عمد وتجريد قصد، ولكنهم يبتلون بها في مجاري أحوالهم، وهم يلومون أنفسهم في ذلك، ويندمون ويتأسفون ويجددون العزم على الاحتراز منها، وأهل هذه الطبقة أدنى مرتبة من أهل الطبقة الأولى. وحالهم هو أغلب أحوال التائبين، وذلك لأن «الشر معجون بطينة الآدمي قلَّما ينفك عنه، وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره، حتى يثقل ميزانه فترجح كفة الحسنات، فذلك في غاية البعد، وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله تعالى إذ قال: ? ? ? ? ? ? [1] فكل إلمام يقع بصغيرة لاعن توطين نفسه عليه فهو جدير بأن يكون من اللمم المعفو عنه، قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? [2] فأثنى عليهم مع ظلمهم لأنفسهم لتندمهم، ولومهم أنفسهم عليه» [3] .

ويجيء قول المصطفى ?: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» [4] دليلًا ناطقا على أن الصغائر التي لا ينفك عنها المسلم عادة لا تقدح في توبته، ولا تلحقه بدرجة المصرّين.

والطبقة الثالثة: وهم الذين يستمرون على التوبة مدة، ثم تغلبهم شهواتهم في بعض الذنوب فيقدمون عليها عن قصد لعجزهم عن السيطرة على أنفسهم وقهر شهوتهم، وهم مع ذلك مواظبون على الطاعات تاركون لجملة من الذنوب مع القدرة عليها والاشتهاء لها، وإنما غلبتهم أنفسهم مرة أو مرتين وهم يودون لو أقدرهم الله تعالى على قمع شهواتهم والسيطرة على أنفسهم، وكفاهم شرها، لكنهم مع ذلك تسوّل لهم أنفسهم، وهم يسوّفون

(1) سورة النجم، الآية (32) .

(2) سورة آل عمران، الآية (135) .

(3) إحياء علوم الدين: (4/ 44) .

(4) حسن، أخرجه الترمذي في السنن (4/ 568) رقم (4251) . وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (2/ 831) رقم (4515) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت