فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 219

التوبة بصيغة (لعل) المشعرة بالرجاء، ولم يجعل جواب الأمر صريحًا في حصول الفلاح فلم يقل: (تفلحوا) بل علق الفلاح على الرجاء المشعر به لفظ (لعل) كي يجتهد المؤمنون في الطاعات والقربات مع التوبة إلى الله تعالى، فلعل ذلك يكون سبيلهم إلى الفلاح. وإذا كانت هذه الآية الكريمة قد خوطب بها الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - وهم أفضل الخلق بعد رسول الله ? في هذه الأمة- والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب -ومع ذلك علق حصول الفلاح لهم على الرجاء، فكيف بمن بعدهم؟ بل كيف بمن يعيشون بعد القرن العشرين؟ إن الأمر في غاية الجد والخطر، وإن سلعة الله غالية لا ينالها إلا من بذل ثمنها.

المعلم الثالث: وإذا كان شأن المؤمنين ما ذكرنا فإننا نلاحظ أن القرآن الكريم قد جاء فيه أمر الله تعالى لهم بأن تكون توبتهم توبة نصوحا، قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] ولكن ثمة سؤال يحسن طرحه، وهو: إذا كان (عسى) في كلام العرب يعني الوجوب إذا صدر ممن يملك الفعل ويقدر عليه كما قال القرطبي وغيره: بأن (عسى) من الله واجبة [2] ، فلماذا أوثر التعبير به هنا في الآية دون مجيء جواب الأمر صريحًا مباشرًا في حصول المطلوب من التوبة النصوح؟ وقد حاول العلامة الطاهر بن عاشور الإجابة على ذلك فقال: «والرجاء المستفاد من فعل (عسى) مستعمل في الوعد الصادر عن المتفضل على طريقة الاستعارة.

وذلك أن التائب لاحَقَّ له في أن يعفى عنه ما اقترفه؛ لأن العصيان قد حصل، وإنما التوبة عزم على عدم العودة إلى الذنب، ولكن ما لصاحبها من الندم والخوف الذي بعث على العزم، دل على زكاء النفس، فجعل الله جزاءه أن يمحو عنه ما سلف من الذنوب تفضلًا من الله، فذلك معنى الرجاء

(1) سورة التحريم، الآية (8) .

(2) تفسير القرطبي: (18/ 200) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت