فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 219

ثالثا - أن ترك الشر يوقع الإنسان في الخير من تلقاء نفسه، فالتائب عن الزنا يصبح عفيفًا، والتائب عن الكبر يصبح متواضعًا، والتائب عن البخل يصبح كريمًا، والتائب عن الكذب يصبح صادقًا، وهكذا جميع السيئات يتوب منها فاعلها، فيقع في أضدادها وهي فضائل صالحة.

رابعا- لا خير في عمل من أعمال البر خالطه الشر في قلب واحد، فعمل البر إذا خالطه الشر أصبح شرا، والشر شر كله [1] .

وبناء على ما تقدم من هذه الأسباب، فإن المحاسبي يرى أن انصراف العبد إلى خصلة واحدة من الشر: يفرغ نفسه للتوبة منها، ويجاهد لاقتلاع جذورها من القلب، ويشغل نفسه بها ليل نهار- مع القيام بالفرائض وحدها- خير ألف مرة من نوافل البر وهو مقيم على تلك الخصلة من الشر، فإذا تاب من هذه الخصلة اتجه إلى غيرها. وهكذا يقتلع جميع الجذور الشريرة من قلبه، فيصبح قلبًا خالصًا صافيًا، تصدر عنه أعمال الخير بنية صالحة مقبولة عند الله، وهذا هو معنى الآية الكريمة {? ? ? ? ? ? } [2] فقدم

الله تعالى التوبة - وهي اقتلاع جذور الشر والمعصية من القلب أولًا -

ثم أتبعها بالإيمان، وكأن العاصي يحتاج إلى تحقيق أمنه إلى جوار

الله، بدلًا من أمنه في جوار الشهوات التي أفسدت عقيدته في الله،

واتبع ذلك بالعمل الصالح، وهو آخر ما يجب على التائب، فالعمل

الصالح حينئذ يصدر عن قلب تائب مؤمن، وحينئذ تحل الصفات المضادة لخصال الشر محل خصال الشر، ولعل ذلك سبب تتبدل به السيئات حسنات [3] .

ولكن هل إذا تاب العبد عن بعض المعاصي دون بعض، تكون توبته مقبولة؟.

قال القرطبي: «وتصح - أي التوبة - من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه، خلافًا للمعتزلة في قولهم:- لا يكون تائبًا من أقام على ذنب. ولا فرق بين معصية ومعصية - وهذا مذهب أهل السنة» [4] .

(1) التوبة للمحاسبي: (53،54) .

(2) سورة الفرقان، الآية (70) .

(3) انظر: التوبة للمحاسبي: (54) .

(4) تفسير القرطبي: (5/ 90) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت