فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 219

إن من شرط التوبة أن يكره المرء ما كان فعله من الذنوب والمعاصي، ويحتقر في نفسه فعله ذلك، أما أن يجد المرء في نفسه ميلًا إلى ذكرياته الآثمة الحرام، ولا يجد في قلبه نفورًا منها واحتقارًا لها فذلك دليل على فساد التوبة.

ومن هذا القبيل ما يظنه كثير من الناس من أن العمل الصالح مع البقاء على الذنوب ينفع الإنسان عند الله، ويقولون: إن هذا في جانب السيئات، وهذا في جانب الحسنات، ولعل ميزان الحسنات يرجح على ميزان السيئات فيفلح العبد غدًا عند الله. وقد رد الحارث المحاسبي على هؤلاء موضحًا أن تطهير النفس من السيئات بالتوبة أفضل وأولى بالعبد من عمل النوافل وأعمال البر الأخرى، والحال أنه مقيم على المعاصي، وفصَّل ذلك تحت أسباب أربعة هي:

أولا - أن قبول الله لأعمال البر من عبد مقيم على المعصية غير مُحَقَّق؛ لأن النفس المشغولة بلذة المعاصي قلما تُخلِص عمل الخير، فضلًا عن أن محل النية - وهو القلب - ملوث بالشهوات، فيستحيل أن يَخلُص العمل الصالح إذا كثر عليه الران [1] من تتابع الذنوب وتشبعه بها.

ثانيا - أن الإنسان مطالب بترك الشر كله، وليس مطالبًا بفعل الخير كله؛ وعلى هذا أصبح ترك الشر في المنزلة الأولى الواجبة على الإنسان.

(1) الرَّان: كالصدأ يغشى القلب، وكل ما غطى شيئا فقد ران عليه اهـ. لسان العرب (13/ 192) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت