فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 219

أقول: إذا كان باب التوبة مفتوحًا لهؤلاء مع أوصافهم التي ذكرها القرآن، فكيف بعصاة المسلمين الذين لم يصل ذنبهم إلى مستوى نفاق هؤلاء المنافقين؟ ألا يدل فتح باب التوبة أمام هؤلاء المنافقين على مدى سعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله وكرمه وأنه لا ينبغي أن ييأس المسلم من رحمة ربه مهما بلغت ذنوبه ومعاصيه، فباب التوبة مفتوح.

إن ما تقدم يدل دلالة واضحة على أن منهج التربية في الإسلام يراعي الفروقات بين الأفراد مراعاةً لا تعتمد على الظن والتخمين، ولكنها تستند إلى علم من شرع هذا الإسلام، وارتضاه دينًا خاتما لأمة محمد ? وهو الله جل جلاله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو بكل شئ عليم، وهو سبحانه وتعالى الذي خلق خلقه وشرع لهم ما به يكون صلاحهم، وبين لهم ما تصلح به أحوالهم في هذه الحياة. وعلى ذلك فإن منهج التربية في الإسلام لا يقوم على الافتراض، أو التخرّص العقلي المجرد، ولكنه حقائق ثابتة من وحي الله تعالى -الوحي المحفوظ من التبديل والتغيير، ومن تسلط الإنسان، ومن التأثر بالزمان والمكان- والسنة النبوية الشريفة المطهرة هي البيان لهذا الوحي، فهي محفوظة كذلك بنص الموعود الإلهي: ? ? ? ? ? ? [1] فما دامت السنة النبوية بيانًا لهذا الذكر، فهي محفوظة بحفظ الله تعالى له.

وهذا الموعود الإلهي العظيم يعطي للأمة المحمدية - وهي الأمة التي أنزل هذا الذكر على نبيها عليه الصلاة والسلام - قوةً، ويمنحها سياجًا واقيًا لا يخترق من الوضوح التام في عقيدتها وأصول دينها، وفيما قامت عليه هذه الأصول، وضوحا يتناول بالبيان الشافي الكافي كل شئ في دين الإسلام، وليس ذلك لأمة من الأمم التي وجدت قبل أمة محمد ?، فهي أمة الصدق والوضوح، وإن أمة عندها دين بمثل هذه الخصائص جدير بها أن تقود العالم إلى هداية هذا الدين العظيم.

فمنهج التربية في دين الإسلام يقوم على حقائق هذا الدين ووضوحه، وجماله، وكماله، وشموله، وثبوته، ومرونته، وصلاحيته لكل بني الإنسان وفي كل زمان ومكان، وعلى أنه دين الله الخالد الغالب الباقي المعصوم من التبديل والتحريف والتغيير، والزيادة والنقصان ومن تلاعب وحيل بني الإنسان في كل زمان ومكان. نقول هذا الكلام ونردِّده ولا نمل من ذلك، خاصة ونحن نتناول بيان معالم الهدي القرآني في التوبة، وبيان المنهج الإصلاحي الرشيد السديد الذي جاء به القرآن الكريم تربية وتوجيها للتائبين من ذنوبهم إلى الله

(1) سورة الحجر، الآية (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت