أمامهم، ونظرًا لما أحدثوه - لنفاقهم - من أذى وشر وفساد، فقد كانت توبتهم مشروطة بثلاثة أمور هي: الإصلاح، والاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله؛ قال العلامة السعدي: «وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص بالذكر مع دخولهما في قوله (وَأَصْلَحُوْا (لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح لشدة الحاجة إليهما خصوصًا في هذا المقام الحرج الذي تمكن فيه النفاق من القلوب فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله ودوام اللجوء والافتقار إليه في دفعه وكون الإخلاص منافيًا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما، وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما» [1] .
والمتأمل في قول الله تعالى في حق المنافقين إذا حصلت توبتهم بشروطها (? ? (يظهر له أن شأن المنافقين شديد عند الله تعالى، فهو سبحانه لم يقل: فأولئك أتوب عليهم، كما قال في حق من يكتمون ما أنزل من البينات والهدى، من بعد ما بينه سبحانه في كتابه إذا تابوا من ذلك مع الإصلاح والتبيان ? ? ? ? ? ? ? [2] كما لم يقل سبحانه في حق هؤلاء المنافقين بعد توبتهم بشروطها: فأولئك مؤمنون، ولم يقل جل في علاه: فسوف يؤتيهم أجرًا عظيمًا. قال صاحب التحرير والتنوير: «فأخبر أن من صارت حاله إلى هذا الخير فهو مع المؤمنين، وفي لفظ(مع) إيماء إلى فضيلة من آمن من أول الأمر ولم يَصِمْ نفسه بالنفاق؛ لأن (مع) تدخل على المتبوع وهو الأفضل» [3] .
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا المقام: أن النفاق المتوعد عليه في آيتي سورة النساء - واللتين هما محور حديثنا - هو نفاق الاعتقاد الذي يتبعه نفاق العمل، وهو الذي يصير صاحبه إلى الدرك الأسفل من النار، إن لم يتدارك نفسه بالتوبة بشروطها المذكورة؛ وإذا كان باب التوبة مفتوحًا أمام هؤلاء المنافقين الذين هم تحت سائر الكفار في النار؛ لأنهم شاركوهم في الكفر بالله ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين على وجه لا يشعر به ولا يحس، ورتبوا على ذلك جريان أحكام الإسلام عليهم واستحقاق مالا يستحقونه.
(1) تفسير السعدي: (1/ 421) .
(2) سورة البقرة، الآية (160) .
(3) تفسير التحرير والتنوير: (5/ 244) .