فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 219

ولكن السماحة والرحمة بالتائبين المتطهرين المصلحين، وقبولهم في المجتمع، وعدم تحقيرهم وتعييرهم - بما كان منهم من ذنب تابوا عنه، وتطهروا منه وأصلحوا حالهم بعدُ - أمور تفرضها سماحة الإسلام، فينبغي على المجتمع قبولهم وفتح الأبواب أمامهم حتى يمكنهم استئناف حياة جديدة نظيفة طاهرة.

إن بعض الناس قد تمكنت العقد من نفسه، فنصب نفسه قيما على خلق الله، ونظر إلى رحمة الله من خلال نظرته المعقدة المظلمة، فهو لا يرى الناس إلا من خلال نظارة سوداء قاتمة، فلا يرى لأهل السوابق والذنوب إذا تابوا صلاحًا، وهو بذلك يعارض رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء.

والله سبحانه كثير التوبة على المذنبين الخطائين، عظيم الرحمة والإحسان.

ومن الآيات التي جاءت التوبة فيها مشروطة بالإصلاح وحده، أو بالإصلاح مع غيره من أعمال حددتها تلك الآيات: قول الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] .

إن النفاق جرم خطير، وشر مستطير، وبلاء كبير، آثاره وشروره على مجتمع المسلمين جسيمة، وكم دفعت أمة الإسلام وتدفع من التكاليف الباهظة بسبب المنافقين في صفوفها؟ وكم كلفها ذلك من تضحيات جسيمة في أبنائها وأموالها وإمكانياتها عامة؟ والنفاق هو سبيل النفوس اللئيمة الدنيئة التي توالي أعداء الله وأعداء الأمة؛ ولما كانت نفوس المنافقين قد هبطت بنفاقها إلى أحط وأخس المراتب في دركات الغدر والخيانة واللؤم والدناءة، كان جزاؤها يوم القيامة من جنس عملها فهي في الدرك الأسفل من النار، قال القرطبي في تفسيره: «فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية، لغلظ كفره، وكثرة غوائله، وتمكنه من أذى المؤمنين» ، ونقل رحمه الله عن ابن مسعود (تفسير الدرك الأسفل من النار بأنه: توابيت من حديد مقفلة في النار تقفل عليهم [2] ؛ ونقل ابن كثير في تفسيره عن أبي هريرة (تفسير ذلك بأنه: بيوت لها أبواب تطبق عليهم فتوقد من تحتهم تنار تطبق عليهم [3] ؛ «وإنما كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار لأنهم شر أهلها بما جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة المؤمنين وغشهم، فأرواحهم أسفل الأرواح، وأنفسهم أخس الأنفس، وأكثر الكفار قد أفسد فطرتهم التقليد، وغلب عليهم الجهل بحقيقة التوحيد فهم مع إيمانهم بالله يشركون به غيره باتخاذهم شفعاء عنده ووسطاء بينهم وبينه قياسًا على معاملة ملوكهم المستبدين، وأمرائهم الظالمين، وهم لا يرضون لأنفسهم النفاق في الدين ومخادعة الله والمؤمنين، والإصرار على الكذب والغش، ومقابلة هذا بوجه وذاك بوجه، فلما كان المنافقون أسفل الناس أرواحًا وعقولًا كانوا أجدر الناس بالدرك الأسفل من

(1) سورة النساء، الآيتان (145، 146) .

(2) تفسير القرطبي: (5/ 425) .

(3) تفسير ابن كثير: (2/ 442 - 443) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت