لقد تبين من خلال الآيات القرآنية الكريمة من سورة آل عمران
-والتي عرضنا لها ببعض البيان- مدى سعة رحمة الله تعالى بخلقه، فالآيات الكريمة تحدثت عمن أسلم ثم ارتد، وهو متوعد بشديد العذاب وأليم العقاب، وعليه من الله تعالى وملائكته والناس ما يستحقة، والويل له إن لم يتب من ردّته ومات على ذلك فهو متوعد بالخلود في النار وبئس القرار؛ أما إن تاب من ذلك وأصلح فإن الله غفور رحيم، واشتراط الإصلاح مع التوبة فيه دليل على أن التوبة هنا لا تكفي وحدها بل لابد أن يضاف إليها العمل الصالح [1] حتى يدخل التائب بذلك في دائرة الغفران، والرحمة من الله تعالى.
قال صاحب (محاسن التأويل) رحمه الله: «وهذا من لطفه وبره ورأفته وعائدته على خلقه أن من تاب إليه تاب عليه» [2] ، ولعل سبب نزول هذه الآيات يدل على هذه المعاني أبلغ الدلالة وأوكدها.
إن الناس لا يغفرون لمن يتمرد على قوانينهم ويخرج عليها، ولكن ربّنا الرحيم الغفور الذي وسعت رحمته كل شيء لا تضيق رحمته عمن تاب إليه وأناب بعد أن ارتد عن الإسلام، والقرآن الكريم يرعب أولئك الذين كفروا بعد إسلامهم ولم يتوبوا حتى ماتوا وهم على تلك الحال، يرعبهم بتلك الجملة
(1) محاسن التأويل: (2/ 138) .
(2) نفس المصدر: (2/ 138) .