والتنديد بكتمان ما أنزل الله من الكتاب والوعيد عليه كان المقصود به أولًا أهل الكتاب، ولكن مدلول النص العام ينطبق على أهل كل ملة يكتمون الحق الذي يعلمونه. ومع شناعة جرم هذا الكتمان إلاّ أن باب التوبة مفتوح بشرط الإصلاح والبيان: أي إصلاح العمل بالأخذ بتلك البينات عن كتاب الله تعالى وعن سنة النبي ?، وبيان الهدى الذي جاء به، وبيان ما كان مكتومًا من ذلك قبل التوبة، وفي معنى البيان: المجاهرة بالعمل الصالح وإظهاره، وبالقول الصالح وإظهاره للناس، ولعل السبب في ذلك يكون لإصلاح ما أفسده الكتمان، حتى يكون الإصلاح والبيان حجة على المنكرين ومن غره الكتمان، وتثبيتًا للمؤمنين، وقدوة صالحة لضعفاء التائبين، ولاشك أن الإصلاح والتبيين بالحق مع التوبة الصادقة لها آثارها الصالحة الإيجابية القوية في سد تلك الثغرات من الفتنة التي نجمت عن الكتمان، وسد أبواب الشك والاضطراب في الأمة، ولذلك كان جزاء التائب من الكتمان لهدي الله تعالى وهدي نبيه ?، مع قيامه بالإصلاح، والتبيين على أكمل وجه أن الله تعالى يتوب عليه أي يرجع عليه بالرحمة والرأفة بعد الحرمان المعبر عنه باللعن.
ومما يدل على عظيم رحمة الله تعالى بالتائب من هذا الأمر، أن الله تعالى أسند إلى ذاته العظيمة العلية فعل التوبة، وزاد على ذلك من تأنيسهم وترغيبهم أنه قال: (? ? ? واصفًا نفسه سبحانه بكثرة الرجوع والتوبة للإيذان بالتكرار كلما أذنب العبد وتاب حتى لا ييأس من رحمة ربه إذا هو عاد إلى ذنبه، فأي ترغيب في ذلك أبلغ من هذا وأشد تأثيرًا منه لمن يشعر ويعقل؟ وهذا الفضل، وهذا العفو وهذه المغفرة كل ذلك لا يكون إلا من الله أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وخير الغافرين، فمنه وله الفضل وهو أهل الفضل جل جلاله.
ومن الآيات التي وردت فيها التوبة مشروطة بالإصلاح قول الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] .
روى النسائي عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله ?، هل لي من توبة؟ فنزلت: ? ? (إلى قوله: ? ? فأرسل إليه قومه فأسلم [2] .
وأخرج عبدالرزاق عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي ?، ثم كفر، فرجع إلى قومه، فأنزل الله ? (إلى قوله: ( ? فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، فرجع فأسلم وحسن إسلامه [3] .
قال صاحب «تهذيب التفسير» : «بعد أن قرّر الحق جلّ وعلا أن الدين عند الله الإسلام، وندّد أشد التنديد بأهل الكتاب الذين يصدّون عن هذا الدين الحق دين الله الذي أسلم له من في السماوات والأرض طوعا وكرها بلسان الحال أو بلسان المقال، وأن الإسلام هو دين جميع النبيين والمرسلين، وأن من ابتغى غير الإسلام فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، بيَّن هنا الوعيد الشديد لأئمة الضلال من اليهود والنصارى وغيرهم ممن عرف الحق وشهد الحجج والبراهين والمعجزات التي أيد الله بها رسوله محمدًا ? ثم استمر على ضلاله وكفره، أو أسلم، ثم ارتد عن الإسلام، وأن هؤلاء يستحقون لعنة الله ولعنة كل لاعن في السماوات أو في الأرض، وأن بصائرهم قد انطمست، فصارت غير متأهلة لهدي الله عزوجل، وأن من هؤلاء من علم الله عز وجل أنهم يموتون على الكفر، وأن منهم من يتوب، وأن من تاب منهم قبل الله توبته» [4] .
(1) سورة آل عمران، الآيات من (86) إلى (89) .
(2) حسن، أخرجه النسائي في السنن (7/ 123 رقم 4079) ، وابن حبان في الصحيح (10/ 329) رقم (4477) ، والحاكم في المستدرك (2/ 142) . وحسنه الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول (2/ 68) .
(3) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (1/ 125) .
(4) تهذيب التفسير: (1/ 430) .