فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 219

إن معرفة وتقدير البعد الإنساني للنفس الإنسانية في ظاهره وباطنه لا يوجد إلا في منهج الإسلام العظيم، وهو المنهج الرباني المعصوم، وإن الذي يربي بهذا المنهج هو الله تعالى الذي خلق، والذي يعلم من خلق، والإصلاح من التائب الذي عمل خطيئة بجهالة مطلوب كذلك، وفاعل الإصلاح هذا موعود بعد توبته بالمغفرة والرحمة من الله تعالى، إن صورة التائب من الخطيئة وهو يتحرك صلاحًا وإصلاحًا في مجتمعه لهي صورة جديرة بالاهتمام؛ لأنها دعوة عملية لأفراد المجتمع في أن ينيبوا إلى الله خالقهم تائبين إليه من خطاياهم. قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] .

إن المعاني والدلالات التي يعكسها فتح باب التوبة أمام المذنبين لهي معانٍ ودلالات أوسع وأكبر من أن يحيط بها الكاتبون والمتكلمون وصفًا، وبيانًا، وعدًّا لفوائدها وآثارها في شتى مجالات الحياة، ظاهرًا وباطنًا وعاجلًا وآجلًا، وهي تعكس خاصية المنهج الإسلامي العظيم الذي يبني ولا يهدم، ويربي ولا يهمل، ويجمع ولا يفرق، ويعمّر ولا يدمّر، فليس الأمر في فتح باب التوبة الواسع أمام المذنب مجرد قبول توبة مذنب فحسب، ولكن الأمر ينبغي أن ينظر إليه من خلال شمولية هذا المنهج وكماله، وتمامه وواقعيته، وصلاحيته للإنسان في كل زمان ومكان، ومرونته وقوته، وأنه قبل ذلك كله منهج رباني المصدر أوحاه الله تعالى إلى نبيه الكريم سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم رحمة بخلقه، وعناية بهم، وهو منهج لا يهمل العقل في مجالاته المحسوسة الظاهرة، فيه تكريم للإنسان وعناية فائقة به.

والإنسان المسلم إذا أذنب ذنبًا فإنه لا يترك يعالج آثار ذلك بأوهام نفسه، وخرافاتها، ولكنه في هذا المنهج الرباني العظيم يجد السبيل أمامه واضحًا ليتوب إلى الله تعالى، ولا يحتاج في ذلك إلى وسائط من أي نوع كانت، بل عليه أن يصدق النية في التوبة، ويخلص العمل، ويجد السير في ذلك السبيل، وهو سبيل يؤنسه ولا يوحشه؛ لأنه سبيل الأنبياء والمرسلين، والصالحين من عباد الله، فلا يستغني عن سبيل التوبة أحد من لدن أبينا آدم عليه السلام وإلى أن تطلع الشمس من مغربها.

وقد جاء الدين الإسلامي العظيم في موضوع التوبة بمنهج إصلاحي رائع بديع يبين كافة الوسائل والسبل التي تعالج في الإنسان أخطاءه وانحرافاته، كما تعالج الآثار المترتبة على تلك الأخطاء والانحرافات في حال وقوعها منه. فابن آدم-إلا من عصمه الله- غير معصوم من الذنوب، وهو بذلك مقارف للذنب ولابد، وذلك يرجع إلى ما جبل عليه من الضعف أمام شهوات نفسه، قال تعالى: ? ? ? [2] الآية، قال القرطبي في تفسيرها: «والمعنى أن هواه يستميله، وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشد

(1) سورة الأنعام، الآية (54) .

(2) سورة النساء، الآية (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت