الذنوب من غير ندم وأسف على ذلك، بل ينهمكون في ذلك انهماك الحمقى والغافلين، وأمر هؤلاء في خطر عظيم إن لم يتداركوا أنفسهم بالتوبة الصادقة وتلافى ما فرط منهم في جنب الله تعالى، ولا يفيدهم قولهم - يوم الجحيم ربنا رحيم -، وقولهم: جنته لا تضيق على أمثالنا، ومعاصينا لا تضرّه؛ فطلب المغفرة بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار، وطلب المال بالتجارة وركوب البحار، وطلبها لمجرد الرجاء ? مع خراب الأعمال ? كطلب الكنوز في المواضع الخربة، وطلب العلوم من تعليم الملائكة، وليت من اجتهد تعلم، وليت من أبحر استغنى، وليت من صام وصلى غفر له. فالناس كلهم محرومون إلا العالمين، والعالمون كلهم محرومون إلا العاملين، والعاملون كلهم محرومون إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم، وكما أن من خرب بيته وضيّع ماله، وترك نفسه وعياله جياعًا، يزعم أنه ينتظر فضل الله بأن يرزقه كنزًا يجده تحت الأرض في بيته الخرب، يعده ذوو البصائر من الحمقى والمغرورين ? وإن كان ما ينتظره غير مستحيل في قدرة الله تعالى وفضله- فكذلك من ينتظر المغفرة من فضل الله تعالى وهو مقصّر عن الطاعة، مصرّ على الذنوب غير سالك سبيل المغفرة يعد عند أرباب القلوب من المعتوهين» [1] .
وليعلم كل مقصّر ومفرط من أهل هذه الطبقة وسواهم، أن باب التوبة مفتوح على مصراعيه لمن يريد الدخول فيه توبة صادقة لله تعالى وإنابة خالصة له سبحانه، وأنه ليس هناك حواجز لمنعهم من ذلك ولا وسائط من أي نوع بينهم وبين ربهم وخالقهم، وهو سبحانه واسع المغفرة، لمن تاب وأناب إليه، قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? [2] ، وكل ما يحتاجه العبد المذنب لدخول باب التوبة والإنابة إلى الله تعالى: الصدق والإخلاص في التوبة، والندم على ما سلف، والاشتغال بالطاعات والعبادات والقربات لله
(1) إحياء علوم الدين: (4/ 45،46) .
(2) سورة الزمر، الآية (53) .