وثبت» [1] .
وأما العقبة الرابعة - التي يكمن الشيطان فيها لابن آدم بعد تجاوزه لعقبة الكبائر- فهي عقبة الصغائر، وكثير من الناس يغويهم الشيطان بالصغائر ولا يرون بذلك بأسًا ماداموا مجتنبين للكبائر في نظرهم، ولا يزال يهون عليهم أمرها حتى تكون محل إصرارٍ منهم، فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالًا منهم؛ ورُبَّ صغيرة مع الإصرار والاستخفاف كانت أعظم من الكبيرة، وقد تهلك الصغيرة صاحبها وهو لا يشعر، وذلك أن استقلال المعصية عين الجرأة على الله، وجهلٌ بقدر من عصاه وبقدر حقه، وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها وخفت على قلبه وذلك نوع مبارزة.
قال الغزالي: «اعلم أن الصغيرة تكبر بأسبابٍ منها الإصرار والمواظبة، ولذلك قال بعضهم: لا صغيرة مع إصرارٍ ولا كبيرة مع الاستغفار، واعلم أن العفو عن كبيرة قد انقضت ولم يتبعها مثلها أرجى من العفو عن صغيرة يواظب عليها العبد، ومثال ذلك قطراتٌ من الماء تقع على حجَرٍ متوالياتٍ فإنها تؤثر فيه ولو جمعتْ تلك القطرات في مرةٍ وصبَّت عليه لم تؤثِّر؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» [2] .
(1) إحياء علوم الدين: (4/ 8) .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه (1/ 541) رقم (782) .