ومالك ابن دينار وبشرٍ بن الحارث وسواهم قبل أن يتوب الله عليهم؟
كان بشرٌ بن الحارث في زمن لهوه في داره وعنده رفقاؤه يشربون ويطربون، فمرَّ بهم رجل صالح البصر والبصيرة، فسمع الطرب واللهو فوق باب بيت بِشْرٍ، فخرجت إليه جارية، فسألها عن صاحب الدار قائلًا: صاحب هذا الدار حرٌ أو عبد؟ فقالت الجارية: بل هو حر! فقال لها: صدقتِ: لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية، وترك اللهو والطرب، فسمع بِشْرٌ ما دار بين الرجل الصالح والجارية من الحوار، فقام مسرعًا من مجلس اللهو والطرب والشراب واتجه نحو باب الدار حافيًا حاسرًا وقد ذهب الرجل الصالح، فقال بشرٌ لجاريته: ويحك من كلَّمك على الباب؟ فأخبرتْه بما جرى، فقال: أي ناحية أخذ الرجل؟ فقالت: كذا، فتبعه بِشر حتى لحقه، فقال له: يا سيدي: أنت الذي وقفت بالباب وخاطبت الجارية؟ قال: نعم. قال: أعد عليَّ الكلام، فأعاده عليه، فمرغ بشرٌ خديه على الأرض وهو يقول: بل عبدٌ، عبدٌ. وكان ذلك بداية توبته وعودته إلى الله تعالى [1] .
وكان الفضيل بن عياض من قُطَّاع الطرق، وكان يقطع الطريق وحده، فخرج ذات ليلة ليقطع الطريق، فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلًا، فقال بعضهم لبعض: اعدلوا بنا إلى هذه القرية، فإن أمامنا رجلًا يقطع الطريق
(1) انظر: كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي، ص: (211) .