الصفحة 9 من 21

، بينما تكررت المضامين القرآنية في قصص الأنبياء وأحوال المبدأ والمعاد والأحكام والصفات الإلهية، واختلفت فيها العبارات إيجازا وإطنابا وغيبة وخطابا، ومع ذلك جاءت هذه المضامين كلها في نهاية الفصاحة، ولم يظهر التفاوت أصلا.

الوجه الثالث: أن القرآن الكريم فيه الأوامر والنواهي وإيجاب العبادات وتحريم القبائح، وفيه الحث على مكارم الأخلاق والعمل للآخرة وتقديمها على الدنيا، وكل ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة، علما أن أمثال هذه الأمور توجب تقليل الفصاحة، ولذلك إذا قيل لشاعر فصيح أو كاتب بليغ أن يكتب بعض مسائل الفقه والعقائد في عبارة فصيحة مشتملة على التشبيهات البليغة والاستعارات الدقيقة فإنه يعجز عن ذلك.

الوجه الرابع: أن الانتقال من مضمون إلى آخر ومن قصة إلى أخرى، واشتمال الكلام على بيان أشياء مختلفة يضيع حسن الربط بين أجزاء الكلام، ويسقطه عن الدرجة العالية للبلاغة، والقرآن الكريم فيه الانتقال من قصة إلى أخرى، ومن مضمون إلى غيره، مع اشتماله على الأمر والنهي والوعد والوعيد وتوحيد الله وبيان صفاته تعالى وإثبات النبوات والترغيب والترهيب وضرب الأمثال وغيرها، ومع ذلك يوجد فيه كمال الربط مع الدرجة العالية للبلاغة الخارجة عن مألوف العرب حتى حارت فيه عقول بلغائهم.

الوجه الخامس: أن القرآن الكريم يأتي باللفظ اليسير المتضمن للمعنى الكثير، فسورة (ص) مثلا جمع في أولها أخبار الكفار وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، وخلافهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم له، وتعجبهم مما أتى به، وإجماع ملئهم على الكفر، وظهور الحسد في كلامهم، ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة، وتكذيب الأمم قبلهم وإهلاك الله لهم، ووعيد قريش وأمثالهم مثل مصابهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم على الصبر على أذاهم، وتسليته بقصص الأنبياء قبله، وكل هذا الذي الذكر جاء بألفاظ يسيرة متضمنة لمعان كثيرة) من كتاب اظهار الحق بتصرف.

قال ابن تيميه (قد علم بالتواتر أن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ادعى النبوة وجاء بهذا القرآن وأن في القرآن آيات التحدي والتعجيز كقوله تعالى أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين فتحداهم هنا أن يأتوا بمثله

وقال في موضع آخر فليأتوا بعشر سور مثله مفتريات وقال في موضع آخر فأتوا بسورة من مثله وأخبر مع ذلك أنهم لن يفعلوا فقال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوى شهداؤكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت