يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنه أُمِّيًا، وَمَا مَنْ كَتب اسْمَه مِنَ الأُمَرَاء وَالوُلاَة إِدمَانًا لِلعلاَمَةِ يُعَدُّ كَاتِبًا، فَالحكمُ لِلغَالِب لاَ لِمَا نَدَرَ، وَقَدْ
قَالَ - عَلَيْهِ الصّلاة والسَّلاَمُ: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ) .
أَي لأَنَّ أَكْثَرهم كَذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ فِيهِم الكَتَبَةُ قَلِيْلًا.
وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُوْلًا مِنْهم} [الجُمُعَة:2] )
(فَإِنَّ قِيْلَ: لاَ يَجُوْزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكتب، فَلَو كتب؛ لارتَاب مُبطل، وَلقَالَ: كَانَ يُحْسِنُ الخَطّ، وَنظر فِي كتب الأَوَّلين.
قُلْنَا: مَا كَتَبَ خَطًّا كَثِيْرًا حَتَّى يَرتَاب بِهِ المُبطلُوْنَ، بَلْ قَدْ يُقَالَ: لَوْ
قَالَ مَعَ طول مُدَّةِ كِتَابَةِ الكِتَاب بَيْنَ يَدَيْهِ: لاَ أَعْرفُ أَنْ أَكْتُب اسْمِي الَّذِي فِي خَاتِمِي، لارتَاب المبطلُوْنَ أَيْضًا، وَلقَالُوا: هُوَ غَايَةٌ فِي الذَّكَاء، فَكَيْفَ لاَ يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ بَلْ عَرفه، وَقَالَ: لاَ أَعْرف. فَكَانَ يَكُوْنُ ارْتيَابهم أَكْثَرَ وَأَبلغَ فِي إِنْكَاره)
من المعلوم أن محمد صلى الله عله وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب وعاش اربعين سنة من عمره ثم جاء بهذا القرآن بما فيه من قصص الامم السابقة مع انبيائها، فمن أين جاء بهذه القصص، وخصوصا ان بعض هذه القصص موجودة في التوراة، فكيف عرفها وهو لم يكن يقرأ ولا يكتب، ولم تكن التوراة في هذا الوقت مترجمة الى اللغة العربية، ولم يغب عن قومه غيبة يمكن له فيها التعلم من غيرهم، فهذا دليل قاطع على نبوته، ولذا قال الله عز وجل"وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" (العنكبوت:48) وقال عز وجل"تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ" (هود:49)
ولو كان قومه يعرفون هذه القصص، لسارع اتباعه بتكذيبه قبل اعدائه.
ومنها قوله تعالى في سورة الروم آية 2 - 6: {غُلِبَتِ الرُّومُ} {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} {بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} . ووقع كما أخبر، وانتصرت الروم على فارس بعد سبع سنين من هزيمتهم.
-ومنها قوله تعالى في سورة الحجر آية 9: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، أي يحفظه الله تعالى من التحريف والزيادة والنقصان، وهذا الأمر مشاهد الآن، ولله الحمد على هذه النعمة، ومنها قوله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم في سورة المائدة آية 67: وَاللَّهُ